10703.jpg

الأرمن في سوريا غيّروا مفهوم الأقليات وعززوا مفهوم المواطنة

كثرت الكتابات في الآونة الأخيرة عن المسيحيين في الشرق وتقلص أعدادهم، والحملات الخفية لتهجيرهم، وعن الأقليات في الشرق الأوسط والبلاد العربية التي تشهد الثورات والتغييرات.

ومن الطبيعي أن تشمل تلك الرؤى الأرمن الذين يعيشون في الشرق الأوسط والبلاد العربية، على اختلاف أعدادهم واندماجهم وإسهاماتهم في المجتمعات العربية.

ويختلف مفهوم الأقليات وفق التعريف العالمي وتكوين الأقليات وأنواعها. ومؤخراً عند مناقشة مسألة الأقليات يتم دراسة التوترات الدينية والإثنية وانعكاس ذلك على الحراك السياسي في البلاد.

فقد قسّم الباحثون الأقليات في المنطقة إلى نوعين: أقليات دينية وأقليات قومية. ويندرج الأرمن في القسمين معاً. ويعتبر الأرمن من الأقليات الوافدة التي استقرت في البلاد، حيث أتت مراحل التعايش مع المجتمعات العربية بنتائج إيجابية بعد حصولهم على الجنسية وممارستهم لواجباتهم تجاه بلادهم.

فللأرمن في لبنان مشاركاتهم اللافتة في المجال الاقتصادي والتجاري والسياسي والثقافي والرياضي، وللأرمن نواب عن “الأرمن الكاثوليك” وعن “الأرمن الأرثوذكس”، ووزراء لحقائب مختلفة. من جهة أخرى، لا يمكن إنكار دور الأرمن في مصر تاريخياً، وإسهاماتهم أيضاً في كافة المجالات خاصة في منصب رئيس الوزراء. ونأمل أن يستعيدوا هذا الدور رغم أعدادهم القليلة في السنوات الأخيرة.

وفي كل الأحوال فالأرمن في البلاد العربية بعيدون جداً عن التوترات الأثنية. إذ نجح الأرمن في سوريا كباقي الدول العربية في تحويل كيانهم وتاريخهم ولغتهم وثقافتهم الأرمنية الى ثروة تضاف الى جنسيتهم ووجودهم ومواطنتهم السورية، واستطاعوا بذلك الجمع بين الاثنين معاً بشكل ايجابي، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع السوري.

لقد شاءت الظروف التاريخية أن يفد الأرمن من بلادهم قسراً الى الأقطار العربية، وكانت نقطة البداية الى سوريا. وينبغي عدم التقليل من أهمية وجود الأرمن تاريخياً على الأراضي السورية، والكنائس في دمشق وحلب تشهد على ذلك، حيث تعود تلك الكنائس الى القرنين الرابع عشر والسادس عشر. أما المدارس التي بنيت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين فهي دلالة واضحة على العناية بالتربية وأهمية تعليم اللغة الأرمنية. ومن جهة أخرى، فالأندية الرياضية والجمعيات الثقافية والاجتماعية الأرمنية دليل على نشاطهم الثقافي والاجتماعي وخدمة المجتمع المدني ومفهوم التطوع لديهم. كما ظهر وجودهم في المجال العسكري، والحياة النيابية من خلال تمثيلهم في البرلمان السوري، وإسهاماتهم في المجالات التجارية والاقتصادية والثقافية.

كان الأرمن في سوريا وسيبقون نموذجاً للتعايش بين الأديان والوحدة الوطنية، فهم مدركون بأنهم استحقوا شرف المواطنة في بداية القرن العشرين، وهم مستمرون في لعب دورهم في بناء وتقدّم سوريا كجزء من المجتمع السوري. فالأرمن في سوريا مواطنون سوريون يعرفون واجباتهم قبل حقوقهم، ويسهمون في مواجهة كل التحديات الخارجية وإبراز الصورة الحقيقية في الداخل.

بقلم: نورا آريسيان

scroll to top