تاريخ التواجد الأرمني في بلدة كسب السورية الحدودية

تاريخ التواجد الأرمني في بلدة كسب السورية الحدودية

كسب، (بالأرمنية: Քեսապ)، بلدة حدودية في سوريا شمال غرب البلاد على سفوح جبل الأقرع. يقطنها العديد من الأرمن وهي بلدة أرمنية تاريخيا حيث كانت تقع في مملكة كيليكيا. يفخر الأرمن في سوريا بأن لهم الفضل في منع السلطات الفرنسية من ضم المدينة إلى الجمهورية التركية الحديثة. إداريا تتبع كسب محافظة اللاذقية ويسكنها 3.500 نسمة. أصل الأسم يعود إلى الكلمة اللاتينية (Casa Bella) والتي تعني البلدة الجميلة.

تبعد 65 كم عن اللاذقية و3 كم عن الحدود التركية والتي كانت سابقا أرض سورية تعرف باسم لواء الأسكندورنة، كما أنها تبعد 9 كم عن البحر الأبيض المتوسط. بسبب ارتفاعها عن سطح البحر بحوالي 800 م أي ما يعادل 2600 قدم وبسبب غناها بالأشجار والغابات الكثيفة أصبحت كسب مقصدا سياحيا هاما في سوريا خاصة في فصل الصيف.

كسب، بلدة قديمة يعود تاريخها إلى فترة مملكة كيليكيا الأرمنية. أغلب سكانها اليوم من الأرمن إضافة إلى وجود بعض الأقلية العلوية، يحيط بها عدة قرى معظم قاطنيها من الأرمن.

التاريخ الأرمني في كسب:
قبل 6 آلاف سنة كانت منطقة كسب جزء من الحضارة القديمة التي امتدت على طول الساحل السوري وصولا إلى نهر العاصي. خلال الفترة السلوقية اعتبرت كسب بلدة مركزية بين مدن انطاكية، سلوقية واللاذقية. وفي فترة حكم الملك ديكران وبعدها الرومان إزدهرت المناطق السورية بشكل كبير ما كان له دور كبير على تطور الأوضاع في منطقة كسب أيضا.

لاتوجد وثائق تاريخية مكتوبة توضح كيف بدأت منطقة كسب ولكن أقدم وثيقة ذكر فيها اسم المنطقة تعود إلى فترة الصليبيين عندما قررت عائلة بلموند إعطاء منطقة “كاسبيسي” إلى أسرة بطرس الناسك. علما أن “كاسبيسي، كاسيمبيلا وكاسابيلا” كلها اسماء اشتقت منها اسم “كسب” بلفظها الحالي.

لكونها ولفترة طويلة على حدود المملكة الأرمنية “كيليكيا” كانت منطقة كسب تضم الكثير من المهاجرين الأرمن. إن الأبحاث التي قام بها المختصون اللغويون تبين أن اللهجة الأرمنية المستخدمة من قبل أرمن كسب اليوم والأرمن القاطنين في لواء الأسكندرونة تؤكد أن هؤلاء وعلى وجه الخصوص أرمن كسب هم أحفاد الأرمن الذين جاءوا من منطقة أنطاكيا.

ازدادت هجرة الأرمن إلى هذه المناطق في القرنين الـ 14 و15 وذلك في الفترة المملوكية، كمحاولة منهم لتجنب الإضطاد محاولين إيجاد مناطق جبلية أكثر أمنا مثل كسب وموسى داغ.

الدفعة الأولى من المهاجرين الأرمن سكنوا في المنطقة التي تدعى اليوم “Esguran” وبعد فترة قصيرة يغادر هؤلاء ليستقروا في المنطقة التي تسمى اليوم “كسب” وتتحول بفضلهم إلى مركز هام في المنطقة بأسرها ومقصدا للاجئين الجدد.

في منتف القرن التاسع عشر وبالتحديد في الـخمسينيات من القرن التاسع عشر تتحول كسب إلى مقصد هام للمبشرين الكاثوليك والأنجيليين ما سبب نوع من الغضب الشديد لدى السكان الأرمن في المطقة والذين كانوا في معظمهم من أتباع الكنيسة الأرمنية الرسولية.

في بدايات القرن العشرين بلغ عدد سكان منطقة كسب 6000 نسمة كلهم من الأرمن. وكانت هذه البلدة الصغيرة تضم 20 مدرسة أرمنية بسب الإختلافات المذهبية والإنتماءات الحزبية لهؤلاء السكان.

أولى المآسي في كسب كانت سنة 1909 حين قام رجال أتراك باجتياح وغزو البلدة من الحدود الشرقية واستمرت العملية من الـ 10 حتى الـ 23 من أبريل. نجح الأتراك في تدمير المدينة ودفعت إلى خلق مقاومة مسلحة باسلة جعلت 300 قروي أرمني يحملون السلاح في وجه الغزاة. الكارثة كبدت الجانب الأرمني خسائر كبيرة حيث أسفرت عن مقتل 161 شخص إضافة إلى خسائر مادية كبيرة. الكاثوليكوس ساهاك الأول خابايان زار البلدة بعد الكارثة وأتطلع على حجم التدمير الذي لحق بها وبسكانها.

إبادة 1915 الجماعية للأرمن أعادت إلى أذهان القرويين في كسب والمناطق المحيطة الأحداث الدامية لسنة 1909. ووصلت أوامر الإبادة بحق الشعب الأرمني في كسب يوم 26 يوليو/تموز 1915 على شكل أوامر بأخلاء المدينة في غضون 5 أيام. وفي الحال قرر السكان المقاومة والتحصن في جبل “دوناغ” الواقعة في “كارادوران”. كاهن كارادوران، الأب بيدروس بابوجيان أبراهميان أيد فكرة المقاومة ولكن على أرض الواقع كانت الأمور تسير بشكل مختلف، لأن عمليات الإبادة في كسب والمناطق المحيطة بها بدأت من “كارادوران”.

تم ترحيل الأرمن في اتجاهين: الأول باتجاه دير الزور والثاني جنوبا إلى صحراء الأردن. قتل 5000 أرمني أثناء عمليات الترحيل، بعضهم في جسر الشغور، بعضهم في حماه وحمص، وآخرون في طريقهم إلى دمشق والأردن. أما من وصل إلى دير الزور فقد قتل مثل غالبية اللاجئين الأرمن هناك.

بعد وقف عمليات إطلاق النار بدأ الأرمن العودة إلى كسب تدريجيا في عملية استمرت حتى العام 1920. إلا أن المناطق الشرقية من البلدة بقيت غير آمنة بسبب تعرضها إلى هجمات بين الحين والآخر من قبل الأتراك في القرى المجاورة. وفي تلك الفترة أيضا قام 40 متطوع أرمني من البلدة بالتصدي لمحاولات من قبل قطاع الطرق لغزو المنطقة. أخيرا وفي سنة 1922 حل السلام في البلدة بعد دخول القوات الفرنسية إليها.

في الـ 5 من يوليو/تموز سنة 1938 دخل الجيش التركي منطقة أنطاكية (محافظة لواء الأسكندرونة السورية) بعد اتفاق مع السلطات الاستعمارية الفرنسية وتمت إعادة تسمية المنطقة بمحافظة “هاتاي”. وفي الـ 2 من سبتمبر/أيلول من العام نفسه أصبحت “هاتاي” محافظة تركية بحكومة محلية وتم ضم كسب إلى حدودها. بسبب المناوشات الخطيرة بين محليين في إقليم هاتاي والحكومة التركية ترك بعض الأرمن البلدة متجهين إلى لبنان والبعض الأخر لجأ إلى الجبال القريبة.

في تلك الأثناء كانت شخصيات مهمة تزور كسب ففي الـ 5 من يونيو/حزيران 1939 تم حل حكومة هاتاي وأصبحت المنطقة كلها جزء من تركيا بشكل رسمي. لحسن الحظ وبفضل الجهود الكبيرة للكاردينال الأرمني كريكور بيدروس أغاجانيان والممثل الباباوي في سوريا ولبنان السيد ريمي ليبريرت، تم فصل مناطق كسب التي يقطنها الأرمن عن تركيا وأعيدت إلى داخل الحدود السورية. وكنتيجة لهذا الفصل أستولى الأتراك على كل الممتلكات والحقول والمزارع التي كانت سابقا تخص الأرمن بعد أن أصبحت ضمن الحدود التركية من البلدة. كما حرم الأرمن من “دير بارلوم” التاريخي والذي أعتاد الأرمن الاحتفال فيه بعيد السيدة العذراء في شهر أغسطس/آب من كل عام.

إنتاج: خبر أرمني



Top