يريفان.. 2800 عام من الإنسانية

يريفان.. 2800 عام من الإنسانية

يريفان.. عاصمة الموسيقى والأدب والمعاناة.. نعم هي عاصمة أرمنيا بعد اثنتى عشر عاصمة سابقة لها، تبوأت مكانتها كعاصمة عام 1918 م، بعد أن تقلصت أرمنيا الكبرى لتحتل عٌشر مساحتها من 300 ألف كيلو متر مربع إلى 30 ألف كيلومتر مربع، على مدار قرون طويلة كانت مطامع الإمبراطوريات الكبرى تدك أسوارها، تنتصر أرمنيا تارة وتهزم تارة، وها هم الأرمن يحتفلون بمرور ٢٨٠٠ عام على نشأة يريفان كمدينة صغيرة تمددت حتى أصبحت العاصمة.

تنساب الموسيقى من حوارٍ قديمة، وشوارع واسعة، وساحات لاتزال تحتفظ بين جدرانها برائحة الاتحاد السوفيتى، الأرض هنا ترد على قدميك بقوة المدن الحضارية القديمة، حضارة امتدت في عمق التاريخ، قبل أن تصبح أول دولة تدين بالمسيحية عام ٣٠١ ميلادية وقبل روما، التضاريس الجبلية الوعرة أمدت الإنسان بقوة مواجهة الطبيعة، فأصبح شاعرا رقيقا وموسيقيا عظيما تسربت موسيقاه إلى كل العواصم الأوروبية، عابرة الآفاق من خلال الموسيقي العالمي العظيم أزنافار الذي شدى الشعب الأرمنى بتراثه الموسيقى الشعبى من خلال المعجزة كوميتاس.

لم يكن الجليد الذي يكسو معظم قمم الجبال الأرمنية سوى أنشودة دفعت الناس إلى تحدٍ من نوع خاص، أنتج حضارة امتدت في عمق التاريخ، ولا يزال جبل أرارات المقدس يطل من داخل تركيا على بقية جسده المقيم بأرمنيا، ليذكر الأجيال الأرمنية جيلا بعد جيل أنه لا يزال يحمل الجنسية الأرمنية رغم الاحتلال، جبل أرارات هو أشهر معلم أرمنى رغم وقوعه ضمن خارطة تركيا تروى عنه الأساطير والحكايات.

رست سفينة نوح على هذا الجبل، ومنه ولدت للإنسانية حياة جديدة حسب الكتاب المقدس، وظل هذا الجبل الذي يطل على أرض أرمنيا من قمة خمسة آلاف متر مصدر إلهام الشعراء والأدباء وصانعى الأساطير حتى يومنا هذا.. قال لي صحفي أرمنى كبير: “إن مشروعنا القومي الكبير يجب أن يكون السلام، فخلال ألفى عام من الحروب والكر والفر..الفوز والخسارة.. لم تعش أجيال بأكملها حلاوة السلام”!!

الأرمن بالداخل ثلاثة ملايين، وفي المهجر قرابة الملايين السبعة، ألقت بهم سفن الهروب من المذابح التركية في كل بقاع الأرض، تبوأوا القمم في كل الأوطان التي سافروا إليها كرها أو طواعية، ويكفي أن نذكر الشعب المصري بأن الأرمن تبوأوا كل مقاعد وزارة الخارجية المصرية لستين عاما، كانوا مثالا يحتذى في الوطنية الخالصة للبلد الذي احتواهم وحماهم من مطرقة وسيف وخنجر الدولة العثمانية!!

أكتب إليكم من إحدى مقاهى أبوفيان أشهر شوارع العاصمة..الأنوار بألوانها المتلألئة تزين الشوارع في احتفالية الـ٢٨٠٠ عام على نشأة المدينة، جاء الأرمن من عواصم المهجر ليعيشوا لحظات احتواء نادرة بين جدران وطن لا يزال الشوق هو سفينة الوصول إليه، قابلت عددا من الأرمن الكنديين والأمريكيين والمصريين يعيشون لحظات النشوة بنادي فورش، وفورش هذا من رواد موسيقى الجاز ناضل بأغنياته عن الحرية في الحقبة الروسية، وعاش حياة المطاريد بسبب مواقفه القومية.

فورش لا يزال رغم سنوات العمر المديد شابا يرقص ويغني ويشدو بأغنيات الحب في يريفان، ولماذا لا وهو أشهر من غنى للجدران والشوارع والحوارى والأزقة والميادين والناس حتى صار أيقونة الأجيال، يجتمع عليه الكبار والشباب والأطفال، ويتردد صدى أغانيه في المقاهى والمطاعم والفنادق والساحات.

ورغم القتل، ورغم الحروب المتتالية والاحتلال، ورغم الحصار فقد منح أبناء أرمنيا الإنسانية شعراء وموسيقيين وأدباء وعلماء على مدار تاريخهم، ربما لم تمنحهم إمبراطوريات كبرى، وظل الإنسان الأرمنى يواجه الموت بنثر بذور الرمان، وحبات المشمش، وأشجار الجوز، وبإنتاج طعام للبدن، والخيال، والحلم، والأمل من خلال آداب وعلوم.. وقوي ناعمة هي سفير بلادهم إلى البشرية التي لم يكتمل اعترافها حتى اليوم بالمذابح التي تعرض لها الشعب الأرمنى على يد المحتل التركى.

أنوش فتاة أرمنية لم تتعد الاثنين والعشرين عاما من عمرها، هي مرافقة لنا في رحلتنا، درست تاريخ الأدب العربى وتاريخ العرب، وأتقنت اللغة العربية، وتعد دراسة الماجستير عن العلويين، نموذج للجيل الجديد، تحفظ تاريخ كل حجر في بلادها، تروي القصص والحكايات مطعمة بحالة من الحب المتوهج لوطن يعيش في أعماق أبنائه.. تقص علينا من تاريخ العرب التليد ما لا نعرف فقد روت كيف جاء العرب إلى هنا ولم يفرضوا دينهم على الشعب، ولم يدمروا حضارتهم، بل حافظوا على الكنائس والمعابد، وتركوا إرثا حضاريا مؤثرا على حركة الفن المعماري، تشهد عليه الجدران، وتحفظ لهم ما قدموه من تسامح نفتقده اليوم في تاريخنا المعاصر!!

بقلم: عصام كامل

Top