الفوازير لـ نيللي.. ونيللي لنا جميعا

الفوازير لـ نيللي.. ونيللي لنا جميعا

بحركاتها الاستعراضية الرشيقة تسيطر على الشاشة، وشيئًا فشيئا تنفجر الشاشة بالحركة والنشاط والحماسة التي تصل حد “الجنان”، الذي لا يخلو أحيانا من مناوشة أنثوية فطرية تراود المراهقين، تغريهم وتسمّرهم أمام الصندوق السحري الذي يأتي لهم بعجيبة الأعاجيب، هذه المرأة اللذيذة الجميلة المرحة المتقافزة كعفريتة، التي يدمنها أيضا الصغار، وتأسر عيون الكبار نساء ورجالا، من غيرها، إنها الملكة “نيللي”.

كأنها أعتقت موهبتها من القيود والأسر، أعتقتها من الأدوار الخافتة حبيسة رؤية إخراجية معينة لا ترى فيها إلا الفتاة الجميلة الفاتنة الرقيقة الناعمة، أعادت اكتشاف الطاقات المتفجرة، فانطلقت لتصبح ملكة الاستعراض والفوازير خلال سبعينات وثمانينات وحتى تسعينات القرن العشرين، كتبت فصلا جديدا لموهبتها التي تفجرت صغيرة، وهي ابنة الرابعة، حيث راحت تغني وترقص وتكبر أمامنا في أكثر من فيلم، مثل “الحرمان” عام 1953، وفيلم “عصافير الجنة” عام 1955، وفيلم “حتى نلتقي” عام 1957، وفيلم “التوبة” وفيلم “رحمة من السماء” وفيلم “هي والرجال” عام 1958، ومسلسل “الرمال الناعمة” عام 1959.

مهدت “نيللي” للحظة المواتية، حينما كتبت تاريخا للفن لا يستطيع أحد إنكاره، كان اجتماعها مع المخرج فهمي عبد الحميد في السبعينات من القرن الماضي فتحا جديدا في الأعمال التلفزيونية، قررا سويا تقديم فوازير رمضان في ثوب استعراضي جديد، لتبدأ سلسلة فوازير أولها كان فوازير “أنا وأنت فزورة” و”فوازير صورة و30 فزورة”، استقرت مرحلة البدايات تماما وتوجت “نيللي” ملكة للاستعراض بلا منازع.

لم تخلق نيللي أرتين كالفيان سركسيان “شيطاني”، ولكنها خُلقت وعُجنت وخُبزت وأُنضجت في أجواء عائلية مزدحمة بالفن، زكاها أصول وجذور أرمينية تغذي الفن في شرايينها ليتفجر غناء ورقصا وفنا وحياة، أي نعم أنها ولدت بالقاهرة في الثالث من يناير عام 1949، وتعتبر نفسها مصرية أبًا عن جد، فكل جدودها الذين تعرفهم وكل أهلها مولودون بمصر، ولكن الجينات الأرمينية الحلبية فعلت فعلها، لا سيما وأنهم، الأرمن، تحرووا من أسر الارتباط بالمكان، وانطلقوا في جهات الأرض لا يندبون حظهم، أبدا، ولكن ليخففوا علينا، رغم معاناتهم من الشتات بعد المذبحة التي ارتكبها الأتراك في حقهم، بعضا من حظوظنا السيئة بمواهبهم الفنية الفطرية.

لا نعرف الفوازير الاستعراضية إلا مع شهر رمضان الكريم، ولا نعرفها إلا بـ”نيللي”. هذه المساحة الفنية العريضة التي تفرّدت فيها تماما عبر ثلاثة عقود من الزمن لم تكن وليدة مصادفة أو اجتهاد شخصي، ولكنها كانت استمرارا لتمارين الباليه الراقص في مدرسة”لورا لوريلا” الإيطالية، التي التحقت بها صغيرة مع شقيقتيها “ميرفت” و”فيروز”، كأنها كانت وصلة راقصة تحت عين مدرِّبة الرقص الفرنسية في المدرسة في محاولة لإرضائها وإثارة إعجابها، كأنها كانت محاولة لاستنطاقها وإجبارها على التصفيق بأعلى صوتها: “برافووووووووووو”، كأنها كانت محاولة خاصة من “نيللي” لإثارة دهشة أبيها، للفت انتباهه المحجوز دوما للموهبة الفنية المتفجرة “فيروز”، الطفلة المعجزة، وإن كانت “فيروز” قد أخذت حظوظها من الإعجاب كاملا مبكرا واستنفدت طاقاتها الفنية والاستعراضية مبكرا، فـ “نيللي” سيأتي عليها الدور، ستكون رهان أبيها الذي لم يلتفت إليه في البداية، دورها سيأتي وقد نضجت وعرفت جيدا معالم الطريق، هذا وقتها لتكمل المسيرة العائلية الممتدة. هل هو ذكاؤها أم أنها الغيرة بين الإخوة؟، ليكن الأمر كما يروق لك، لكن الحقيقة المؤكدة التي لا تقبل الشك أن الفوازير لـ”نيللي”، و”نيللي لـ”الفوازير”.

هجرت “نيللي” السينما لعشق آخر، لم يكن هجرانا حقيقيا، كان إهمالا نوعا ما، لكنه إهمال الزاهد في السينما، الطامع بلا قناعة في كنز الاستعراض الذي يتوهج مع كل موسم رمضاني، يتجدد بفكرة جديدة وشكل جديد، يتجدد برغبة الجميع في مشاركة “الملكة” مجرد الحضور في بلاطها السحري الذي لا يخفت بريقه، حتى أن ملكًا متوجًا على عرش الشاعرية المصرية يخطب الود ويقدم فروض الطاعة ليدخل البلاط، أجل صلاح جاهين بكل صولجانه الشعري يرغب في الالتحاق بركب “فوازير نيللي”، وقد كان له ما أراد، لنشاهد بثا رمضانيا موقعا بأسماء نيللي وجاهين وفهمي عبد الحميد في بداية الثمانينات يحمل اسم “عروستي” عام 1980 و”الخاطبة” عام 1981.

“نيللي” ليست مجرد راقصة استعراضية، “نيللي” باقة واسعة من الفنون. “نيللي” لا تعتمد على الإغراء على الرغم من امتلاكها لكل مقوماته الأنثوية المتفجرة، لكنها ترفض ذلك، ترفضه بشكل قاطع وحاسم لا يقبل التراجع، ترفض الإغراء وتحتفي بالاستعراض. “نيللي” مؤدية بارعة، تطوّع طبقات صوتها العريضة لترقّص الكلمات وتحيا حياة أخرى مع درجات السلم الموسيقي. الفوازير بدأت كفن إذاعي بالأساس، كان الغرض منه إضفاء الحيوية على البرامج الإذاعية، ثم انتقلت إلى التلفزيون، لتؤسس مع “نيللي” ما يمكن أن نطلق عليه “الرقص الضاحك المرح”، ثقافة جديدة أدخلتها “نيللي” بقدرتها على تحميل صوتها طاقات إبداعية جبارة، طاقات من المرح والضحك والتصاخب والحماسة، تقلد الفقير والغني، تحاكي العامل والمثقف والغفير والوزير. دخلت قلوب المصريين من وسع باسكتشاتها، الكل كان يتسمر أمام الشاشة ليرى نفسه ويسمع نفسه، يرى تناكة الهوانم ورغي ستات البيوت وخفة البنات البلدي.

Top