أرمينيا، أكثر من شارع.. بقلم: نجوى بركات

أرمينيا، أكثر من شارع.. بقلم: نجوى بركات

في شارع أرمينيا الرئيسي الذي يجمع بين بيروت وضاحيتها الشمالية، وفي جزئه التابع لمنطقة برج حمّود تحديداً حيث أحيا، وهي أساساً منطقة تركّز اللبنانيين الأرمن، ممّن كانوا قد هاجروا إلى لبنان في منتصف عام 1915، هرباً من مذابح الأتراك بحقهم، وبنوا في البداية مخيماتهم فيها، حين كانت مساحة شاسعة من المستنقعات والأشجار، تحيا الحياةُ حياتين، واحدة للنهار وأخرى للّيل.

فشارع أرمينيا تحفّه، في جزئه الأرمني، محلات الصاغة، بواجهاتها الملأى بمجوهرات الذهب والماس، ومحلات الأطعمة من مناقيش وشاورما وسجق وبسترما وعصائر طازجة، أو متاجر الألبسة والأحذية والإكسسوار التي تعرض البضاعة المحلية والصينية على السواء، وهو يُفضي، على جانبيه، إلى زواريب لا تخلو، هي الأخرى، من حوانيت تتضارب في المهام، من بيع الهواتف الجوالة وما يتصل بها، إلى تصفيف شعر الأجانب وعمل الصرافة، فالخياطة، فالخضار، فحوانيت السمانة، فالدكاكين المتخصصة ببيع الأطعمة الأجنبية للعمال الأجانب من فليبينيين وسيريلانكيين وحبشيين وبنغاليين وأفارقة… حتى ليبدو الشارع الطويل وكأنه العمود الفقري الذي يُمسك هذه الزواريب المتفرّعة بدورها إلى زواريب متحاشرة صغيرة أخرى، أو كمجموعة خلايا متجاورة، تعمل بانتظام تام، وإن بدا، للعابر فيها وغير المقيم، أنها عائمةٌ في فوضى هائلة تزيدها استعاراً، السياراتُ المتوقفة على الجانبين وما ينحصر بينهما من ازدحام مركبات ودراجات ومشاجرات ومشاة.

ومن يوغل في هذا العالم المقيم على مدخل العاصمة الشمالي سيشعر أنه يدخل إلى بابل مصغّرة، تجمع مشارب ولهجاتٍ وأساليبَ تبرّج ولبس وألوانَ بشرة مختلفة، وأنه إنما يلج مكاناً ضيقاً يتسّع بتنوّع أهله، وبثراء اللغات المحكية التي يتفاهم بها قاطنوه، وربما هاله التباين الفظيع الذي سيطالعه، ما أن يعبر جسر النهر، ليباشر الدخول في منطقة مار مخايل، تليها الجميزة، اللتين توحيان أننا بتنا فعلاً داخل بيروت، فيما تبدو برج حمود المتاخمة شبه قادمةٍ من كوكب آخر.

وإذ ينتهي النهار ويحل المساء، تقفل المحلات في الشارع الرئيسي، لتبقى مفتوحةً فقط محالُ الأكل والسندويتشات، فتطرد العتمةُ الحركة إلى الشوارع الخلفية الفرعية، حيث تنشط أنواع أخرى من الدكاكين، هي خليط من الحانات الليلية المقفلة التي يرودها أبناء طبقةٍ معدمةٍ، طلباً لمتعةٍ تبيعها لهم عاملاتٌ أجنبياتٌ هربن من بيوت مستخدميهن، وبتن يعملن بائعات هوى، أو من أماكن لعب القمار، أو من مقاهٍ لاحتساء خمورٍ رخيصة، لتدخين النارجيلة، والاستماع إلى موسيقى تذكّر بهوى البلاد.

وحين يتقدّم الليل، تخرج إلى الشوارع فئة جديدة من المتنزّهين الذين هربوا من حروب بلدانهم، والذين لا يمتلكون حتى ما يصرفونه في حانةٍ أو في محل، فتراهم يحوّلون الشارع إلى مقهى، والأرصفة إلى مقاعد، فيتقاسمون ما يجلبونه معهم من شرابٍ وطعام، ويتحدّثون عن همومٍ ومعاناة، وقد تبلغ منهم الثمالة والقهر مبلغاً، تجعلهم يطلقون أصواتهم عالياً، وهم يذرفون الدموع، كذئاب، أو يتعانقون إثر مشادة كلامية، تحولت إلى اشتباكٍ بالأيدي، وصل حد إشهار السكاكين. إلى أن يأتي من يصلح الحال، أو إلى حين إعلامهم بقرب وصول رجال الدرك من المخفر الموجود على مبعدة أمتار.

وحين يطلع الصبح، يبدو شارع أرمينيا ساحة حربٍ إثر انتهاء معركة الساهرين مع الليل، ملآن بأكياس فارغةٍ وأوراقٍ وقشور فواكه ولبان وأعقاب سجائر وتنك بيرة وزجاجات فارغة. وقد يصدف أن يجد العابر المبكر أشياءَ لا يكون الشارع عادةً مكانها، كفردة حذاء تبدو منسيةً أكثر منها مرمية، كأنما هي أغراضٌ مركونةٌ في داخلٍ ما، غرفة، أو خزانة، أو حتى شرفة، وسوف يعود صاحبها لأخذها بعد قليل.

هكذا، بين نهارٍ وليل، مدّ وجزر، تتقدّم برج حمود هائجةً، مائجةً، بطبقاتها المتتالية من الأرمن الذين قدموا إليها هرباً من مجازر الأتراك، ثم من اللبنانيين، بمختلف طوائفهم من طالبي الرزق في العاصمة، بعد أن غادروا قراهم وجبالهم، ثم من اليد العاملة الرخيصة، العربية والأجنبية على السواء، ثم من النازحين من بلدانٍ هدّتها الحروب، كسورية والعراق…

بقلم: نجوى بركات | نقلا عن: العربي



Top