ليون زكي: يوحنا إبراهيم الذي أعرفه

ليون زكي: يوحنا إبراهيم الذي أعرفه

مرت الجمعة الفائتة ٢٢ نيسان الذكرى السنوية الثالثة لاختطاف راعي أبرشية حلب وتوابعها للسريان الأرثوذكس المطران يوحنا إبراهيم والذي شغل الكثير من الشخصيات الدينية والفكرية في المنطقة والعالم طوال حياته الرعوية وبعد تغييبه عن الأنظار من دون معطيات تنعش الآمال بقرب عودته أو توثق بعض أخبار احتجازه.

عرفت المطران إبراهيم لسنوات طويلة أخاً وصديقاً أقاسمه ويقاسمني الأفكار والمشاغل والآمال والآلام خصوصاً مع بدء الأزمة في سورية التي قاربت من مواعيد لقاءاتنا الدورية لتبادل الآراء والتصورات حيالها واستقراء آفاق وأبعاد تطورها وحتمية استمرارها وذيوعها واتساع رقعتها وتصاعد حدتها بمرور الوقت.

امتلك إبراهيم بصيرة نافذة لاستقراء مجريات الأحداث المتلاحقة ووجهة سيرها وجرأة كبيرة متزنة على نقد الأخطاء التي ارتكبت في معالجتها وجل همه الخروج منها بأقل قدر من الخسائر واحتواء تداعياتها وانعكاساتها على رعيته وطائفته بشكل خاص وعلى السوريين عموماً لقناعته بأن ثمة من له مصلحة من الأطراف الداخلية واللاعبين الإقليميين بتأجيجها بغض النظر عن استجابة السلطة باستصدار منظومة من الإصلاحات وخلال فترة زمنية قصيرة وعدم الانصياع لرغبة شريحة كبيرة من السوريين بتحكيم العقل على لغة السلاح ووقف نزيف الدماء وحقنها.

ولعل ولعه بحكم وظيفته ومسؤوليته بوسائل الإعلام وبمنابر المؤتمرات الدولية ذات الصبغة الدينية التي واظب على حضورها خارج سورية وتطرقه فيها أمام الرأي العام العالمي لجوهر الأزمة السورية وخلفياتها وتداعياتها ومآلاتها المرتقبة بكل بجرأة وشفافية ثم دخوله كوسيط مباشر على خط إطلاق مختطفين، ساهم في وضعه في بؤرة الأحداث ومقدمة المستهدفين من أطراف ميليشيوية اتخذت القرار بتغييبه لأهداف لم تتضح غاياتها إلى الآن مع غياب الدافع المادي وربما المعنوي غير المعلن من عملية اختطافه مع أخيه المطران بولس يازجي راعي أبرشية حلب وتوابعها للروم الارثوذكس في رحلة عودتهما من الحدود التركية قرب قرية كفر داعل.

لم يتخلف راعي أبرشية حلب وتوابعها للسريان الأرثوذكس عن أي مناسبة للحوار أو أي محفل داخل وخارج سورية للمساهمة في إيجاد مخرج من النفق المظلم الذي دخلته البلاد. عمل بجد على تقارب الأديان ودعا باستمرار إلى احتواء واحترام الآخر وقبوله بما يخدم ويثري التنوع الإثني والحضاري والفسيفساء الفريدة عالمياً من نوعها والتي تتمتع بها سورية من دون إقصاء أي طيف أو طائفة عن المشاركة في صنع حاضر ومستقبل البلاد.

ساعدته شخصيته الدمثة وثقافته الرفيعة وعلاقاته الطيبة مع شخصيات دينية وثقافية وسياسية عالمية إلى تسويق سورية وشرح وجهة نظره المعتدلة بحكمته المعهودة وقراءته المتأنية للأزمة التي عصفت بها وبمقدراتها وبأبنائها.

تستحضرني مقولات له لم يكل عن ترديدها في عظاته بحضور المغتربين من الجاليات السورية وفي خطبه على منابر المحافل الدولية التي دعي إليها خصوصاً في الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية في بدايات استفحال الأزمة، ومنها أن “أمن الشرق الأوسط من أمن سورية” و”الفوضى الخلاقة تبعث على الإحباط وتقضي على آمال الناس في الحرية والكرامة” و”سورية آمنت في كل تاريخها بالسلم المدني واعتبرت أن الحوار هو الأداة الوحيدة لتحقيق ما يصبو إليه المواطنون”. حذر من الفوضى وشدد على أن إعطاء سورية فرصة تحقيق الإصلاح “يحميها من التقسيم والتجزئة والهيمنة”، فكان بارعاً في استقراء ما تخبئه الأيام ونوائب الدهر. ويمكن القول أن اختطاف المطران إبراهيم ترك أثراَ لا يستهان به على مستقبل المسيحيين في سورية والشرق أيضاً.

وأحيت جامعة لندن ٢٢الشهر الجاري مرور ثلاث سنوات على اختطاف يوحنا إبراهيم عبر تنظيم مؤتمراً في أكبر قاعاتها دعت إليه شخصيات ومؤسسات مهمة وأصدرت كتاباً جمعت فصوله عن نيافته خلال غيابه وبلغات عديدة وشارك فيه كتابته نخبة من الرئاسات الدينية المسيحية كبابا الفاتيكان وبابا الإسكندرية وبابا القسطنطينية وعلماء ومشايخ ومفكرين وأصدقاء للمطران ومنهم أنا الذي خصصت أحد الأبواب عنه بعنوان: “يوحنا إبراهيم طراز فريد من الرجال” تحدثت فيه عن مناقب المطران وأفكاره وأفعاله ومواقفه.

سبق المؤتمر جلسة تمهيدية للجنة الإشراف عليه وعلى إصدار الكتاب بطبعته الأولى، التي يمكن أن تصدر بشكل الكتروني، وتخلله ندوة من اختصاصيين تحدثوا عن حال وضع مسيحيي الشرق الأوسط وأزمتهم الراهنة ومهرجاناً ثقافياً جرى الكشف فيه عن الكتاب وإلقاء ترانيم كورال وقصائد بالمناسبة.



Top