هكذا حدث، هذا ما حدث.. لمحة تاريخية مقتضبة حول الإبادة الجماعية الأرمنية

مرت 100 عاما على أول إبادة جماعية في القرن العشرين. بقيت الجريمة دون عقاب، وبالتالي أمست وصمة عار على جبين الإنسانية. أما منفذتها، تركيا، فهي المصيبة الكبرى التي ألقيت على وجه البشرية. السؤال الأكبر الذي يطرحه الجميع: ما هي الأسباب التي أدت إلى وقوع هذه الكارثة المشؤومة؟ وما هي التدابير التي اتخذها الأرمن للحفاظ على وجودهم المادي والمعنوي؟ إليكم ما حدث فعلا.

قبل الحرب العالمية الأولى:

خرجت روسيا منتصرة من الحرب ضد تركيا سنة 1878. في 19 شباط إنعقدت معاهدة سان ستيفانو بين الطرفؤن. طلب المؤتمر من تركيا إجراء الاصلاحات اللازمة في الولايات الأرمنية. لكن، وبعد ضغوط الانكليز الذين تسلموا إدارة جزيرة قبرص بعض مفاوضات سرية مع الأتراك، تم عقد مؤتمر آخر في برلين استبدل خلاله البند 16، المتعلق بالإصلاحات الأرمنية ، بالبند 61، الذي أعاد منطقة غارين (المعروفة اليوم تحت إسم إرضروم) إلى تركيا، وولايات @ارس وأرضاهان إلى روسيا. أبقى البند تركيا راضية بحذف كلمة أرمينيا من البند السابق؛ لم تعد تركيا مجبرة على القيام بالإصلاحات.

بالفعل وبعد سنتين، راحت السلطات التركية تمنع استخدام كلمة أرمينيا في الوثائق الرسمية. وفي سنة 1844، إنتفض الأرمن في منطقة زيتون ضد الضرائب التركية الخيالية. ثم قامت الحكومة التركية بتقسيم أرمينيا الغربية إلى ولايات وهي: إرضروم، خاربوت، ديار بكير، درسيم، تيفليس، فان، هيكياري، وسيواس (سيباسديا). وفي سنة 1888 أغلقت السلطات التركية الصحف والجرائد الأرمنية في إسطنبول والولايات الأرمنية. وردا على هذه الإجراءات قام الأرمن في منطقة كوم كابو في 15 حزيران سنة 1890 بمظاهرة سلمية انتهت في الدماء. وحل السلطان عبد الحميد الثاني، الملقب بالسلطان الأحمر، المجلس الوطني الأرمني والبرلمان في اسطنبول، الذي كان يضم عددا من النواب الأرمن.

وبين 20 و 27 آب من العام 1894، وقعت مجازر كيلي غوزان في صاصون، حيث قتل الأتراك كل الأرمن الأبرياء والجردين من السلاح… وقد أرغم الجيش التركي تلسكان الأرمن على مغادرة منطقة أنطاكيا نحو الغابات والوديان، ثم أحرقت هذه الغابات المكتظة بالأرمن. وكانت الحصيلة النهائية لهذه المذابح مقتل 10 آلاف أرمني وتدمير 74 قرية أرمنية في صاصون. من هنا، اندلعت الثورة الأرمنية وحذرت القوى العظمى (فرنسا وروسيا وبريطانيا) السلطان الأحمر على ما يحصل في الولايات الأرمنية وأذكرته بالإصلاحات اللازمة.

وفي شهر أيلول، تظاهر الأرمن أمام الباب العالي في إسطنبول، إلا أن هذه المظاهرة أيضا انتهت في الدماء حيث قتل ألفي أرمني. وتواصلت الإحتجاجات من قبل الدول الكبرى مطالبة بالإصلاحات. لكن وعود السلطان بقيت حبرا على ورق.

وفي 16 تشرين الأول من العام 1895 شن الجيش التركي هجوما على منطقة أورفا في يتيسيا، ورغم المقاومة العنيفة التي اصطدمت به، تمكن الجيش من ذبح حوالي 10 آلاف أرمني. وفي اليوم ذاته ذبح حوالي خمسة آلاف أرمني في شابين كاراهيسار. وتكرر المشهد ذاته في 21 تشىين الأول في منطقة أرزينغان في ولاية ارضروم، وفي 25 تشرين الأول في بتليس.

وفي 16 آذار سنة 1897 أكد تقرير القنصلية البريطانية على مجازر أورفة وحلب التي نفذتها الفرق الحميدية في 27-28 تشرين الأول سنة 1895. وأىسلت القنصلية الفرنسية رسالة إلى السفارة الفرنسية في إسطنبول، حيث ترجح عدد القتلى الذين وقعوا في دياربكير إلى خمسة آلاف. لكن في الحقيقة كان العدد قد وصل إلى 30 ألفا مع تدمير 119 قرية.

وفي 10 تشرين الثاني، واصلت القوات الحميدية هجماتها المتكررة على مدينة فان في ولايو فان، هذا بالإضافة إلى تدمير مدينة عينتاب ومقتل حوالي 1500 أرمني في 15-17 تشرين الثاني.

وفي 18 تشرين الثاني، وقعت مجازر مرعش. أما في نوردوز، هايوتس تسور، غافاش، كارشيفان فسقط الأم السيف أو حرقا. وفي 28 كانون الأول، ذبح حوالي 8000 أرمني في أورفة. ومرة جديدة أكدت القنصلية البريطانية والفرنسية عدد القتلى.

وهكذا بلغ مجموع ضحايا سنة 1895 إلى 300000 دون ذكر هؤلاء الذين أجبروا على التتريك أو الهجرة القصرية والذين يصل عددهم إلى 250000.

وفي 26 أغسطس/آب سنة 1897، هاجم عدد من فيدائيي حزب الطاشناق البنك العثماني، وكان الهدف من وراء هذه العملية لفت انتباه القوى العظمى في أوروبا على وضع الأرمن المأساوي. وبعد تحقيق الهدف وبتدخل مباشر من السفير الروسي، غادر المقاتلون مراكزهم وتم نقلهم إلى فرنسا. لكن أغضبت هذه العملية السلطات التركية التي انتمت فيما بعد بقتل 7000 أرمني في إسطنبول.

وفي آب سنة 1900، وفي ساعة متأخرة من الليل، قام الأاراك بهجوم مفاجئ على منطقة سبافاناك في ولاية صاصون.

وإندلعت إشتباكات عنيفة بين الأرمن والأتراك في أضنة (كيليكيا) وفي مناطق مجاورة، حاول خلالها الأتراك قمع الثورة الأرمنية لكن باءت محاولاتهم بالفشل.

وفي تموز سنة 1908، بدأت جمعية الإتحاد والترقي تحركاتها العسكرية ضدّ السلطات في سالونيك (اليونان). وبدأ نوع من التعاون بين هؤلاء والأرمن والأقليات.

وفي 24 تموز، تمّ إعلان الدستور العثماني. لكن وكالعادة، بقي التركي على طبعه. ففي 10 نيسان من سنة 1909 تمّ ذبح 30.000 أرمني في أضنة وفي طرسوس وفي مناطق أخرى في كيليكيا. تبنى الجيش التركي الذي كان آنذاك تحت تصرف جمعية الإتحاد والترقي، لكن حتفظ المجتمع الأرمني في إسطنبول على علاقته مع الجمعية معتبرا ما حصل حادثا مؤسفا.

وفي سنة 1913 ترأس الثلاثي أنفر باشا وطلعت باشا وجمال باشا الدولة التركية، تحت الضغوط المتواصلة من قبل روسيا وبريطانيا، وقعت تركيا في 8 شباط سنة 1914 على مشروع الإصلاح الأرمني ووافقت على اتخاذ التدابير اللازمة لتحسين أوضاع السكان. وتمّ تعيين عدد من ممثلي الدول الأوروبية للإشراف على تطبيق المشروع في الولايات الأرمنية. لكن سرعان ما تمّ استبعادهم من قبل الدولة التركية.

الحرب العالمية الأولى:
ترجح البطريركية الأرمنية في إسطنبول، عدد الأرمن الساكنين في تركيا بـ 2.100.000 نسمة. في تموز سنة 1914، إندلعت الحرب العالمية الأولى وحافظ الأرمن على حيادهم حرصا على مبدأ عدم الخيانة للإمبراطورية العثمانية، وتجنبا للقتال مع أخوانهم الساكنين في أرمينيا الروسية المنضمين إلى الجيش الروسي. ولكن، وبالرغم من هذه الحيادية، فقد تحول وجود بعض الأرمن في الجيش الروسي إلى ذريعة كبيرة عند الأتراك لما سيفعلونه لاحقا للقضاء على الشعب الأرمني.

في كانون الأول سنة 1915، تلقى أنور باشا خسارة فادحة في معركته ضد الروس على حدود ساريكاميش. وقد شكلت هذه الخسارة فشلا كبيرا للأحلام الطورانية، وكالعادة حمّلت السلطات التركية الأرمن مسؤلية ما حصل. هكذا تمّ جمع الشبان الأرمن في فرق عسكرية تركية، وتحت ذريعة عدم قيامهم بواجبهم الوطني قُتلوا أو تم إستخدامهم كأهداف للرماية.

ويصف ترنسكي (عضو المجلس القومي الروسي) في تقريره، حالة المهجرين الأرمن ويذكر أن مع الهجمات التركية، كانت الصفوف الأرمنية المهجرة تزداد أكثر فأكثر، مضيفا أن ما حصل لم يكن هروبا من الحرب، بل ترحيلا قسريا لشعب بأكمله.

في شباط من سنة 1915، عقد وزير الحرب أنور باشا إجتماعا سريا مع 75 من أهم القادة الاتحاديين. كان الهدف من وراء هذا الاجتماع وضع الخطة النهائية للإبادة الأرمنية. وتشير الدلائل إلى أنه تم اتخاذ القرار قبل بضعة سنوات.

في شهر نيسان بدأ ترحيل الأرمن في زيتون. واستغل الجيش وجود بعض المقاومين الأرمن ليجتاح المنطقة ويعيد السيطرة عليها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن زيتون كانت تنعم إلى حينه باستقلال ذاتي.

وأمر الثلاثي التركي (المؤلف من أنور وجمال وطلعت) جميع الحكومات المحلية بتنفيذ الإبادة الأرمنية.

في 15 نيسان، هجم الجيش التركي على منطقة فان، بينما كان الأرمن يهربون نحو الشمال تحت حماية القوات الروسية. فتم ذبح حوالي 24000 أرمني وتدمير نحو 80 قرية، بعدما اتهموا بالتعامل مع العدو الروسي.

وفي هذه المرحلة، دفع وصول أخبار المجازر وما يحصل في الولايات، الأرمن إلى اتخاذ تدابير احترازية ومراكز للمقاومة. ومرة جديدة استخدمت السلطات هذه الظاهرة كذريعة على ما كانت ستفعله لاحقا وتتهم الأرمن بالخيانة.

في 24 نيسان 1915، تم اعتقال اهم القادة الوطنيين الأرمن في اسطنبول (ويصل عددهم إلى 800 من حزبيين وأطباء ونواب ورجال فكرورجال دين) واعدامهم إما شنقا أو من خلال قطع الرؤوس أو رميا بالرصاص. طبع ذلك اليوم ذاكرة الأرمن وأمسى تاريخا لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها.

ووقعت ولاية أرضروم بدورها ضحيت السيف التركي وتم ترحيل جميع الأرمن في المنطقة. وفي شهر أيار صدر قانون مصادرة كل الأملاك والأراضي التي تخلى عنها الأرمن هربا من ظروف الحرب.

وفي 24 أيار، حذرت كل من بريطانيا وروسيا وفرنسا السلطات التركية وبشكل علني من كل ما يحصل، وحملت القادة الأتراك المسؤولية شخصيا. هذه كانت المرة الأولى التي تنبه فيها القوى العظمى الدولة التركية بأن الإجراءات المتخذة بحق الأرمن تشكل جريمة ضد الإنسانية.

وظلت المجازر والبشاعة موجودة حتى داخل صفوف الجيش حيث قتل 12000 جندي أرمني في ولاية دياربكير.

وتم استكمال سلسلة الترحيل وإخلاء منطقتي خاربوت وطرابيزوند من سكانها الأرمن. ولا تزال صور الوثائق التي تنص على الأمر بترحيل الأرمن موجودة في أرشيف الولايات المتحدة الأمريكية.

في تموز بدأت مجازر موش وصاصون وتيبليس. وفي الوقت ذاته انتفض أهالي جبل موسى للدفاع عن انفسهم. وقد ألف فرانتز ويرفل كتابا تحت عنوان “أربعون يوما في موسى داغ” حيث يصف المعارك البطولية في جبل موسى. وفي 28 تموز بدأ ترحيل سكان عينتاب وكيليكس.

وردا على سؤال للورد جيمس برايس حول المجازر المرتكبة ضد الأرمن، قال رئيس المجلس العسكري البريطاني، إنه استنادا إلى المعلومات الواردة من وزارة الخارجية البريطانية ازداد عدد الجرائم في تركيا وإن ما يحصل هو ترحيل قسري وإبادة شعب بأكمله.

وفي 15 أيلول 1915، ذكّر وزير الداخلية طلعت باشا ولاية حلب بأوامر ترحيل ومحو الأرمن من الوجود. ولاتزال النسخة الأصلية لهذه الأوامر موجودة في كتاب “مذكرات نعيم بيك” لأرام أندونيان.

ولم تهدأ التحركات الشعبية الواسعة النطاق في كل أحياء أوروبا. فرافقت هذه التحركيات بيانات شعبية عديدة حمّلت الأتراك المسؤولية المباشرة عما ارتكب ضد الأرمن من مجازر وترحيل، ووعدت الأرمن بالعدالة والتعويضات المادية.

وفي تشرين الأول سنة 1915 أعلن اللورد جيمس برايس أن الوقت قد حان ليضع العالم حدا لهذه البشاعة، وأضاف أن وصول عدد الضحايا إلى 800,000 حتى يومه لشيء معيب.

وفي كانون الأول من سنة 1915، حذر طلعت باشا كل هؤلاء الذين تعاطفوا مع أيتام الأرمن وأمرهم بارسالهم مع القوافل، نحو الصحارى والإبقاء فقط على الأيتام الصغار الذين لن يتذكروا المجازر.

في بداية عام 1916 طلب النائب الألماني الإشتراكي ليبناخت من حكومته منع تركيا، حليفة ألمانيا، من مزيد من الفظاعات ضدّ الشعب الأرمني.

وفي 9 شباط طلب البرلمان الأمريكي من رئيس الجمهورية، تحديد يوم يمد فيه الأمريكيون – كل سنة – يد العون والمساعدة لكل الأرمن الذين أجبروا على مغادرة بيوتهم. وحينها حدد الرئيس الأمريكي وودرو ويلسن يومي 21 و22 آب لهذه الغاية.

وفي عام 1917 أعلن الرئيس الأمريكي رغبته في تأمين الحق والفرصة للشعوب التي كانت تعيش تحت حكم السلطة العثمانية ، لتقرير مصيرها بيدها بعيدا عن الظلم والاضطهاد والمذابح.

في آذار سنة 1918 تم توقيع معاهدة بريست ليتوفسك بين روسيا وتركيا. وقد احتل الأتراك المقاطعات الأرمنية الروسية، مسببين بمقتل المزيد من الأرمن.

في 28 أيار سنة 1918 وعلى حدود القوقاز، الحقت القوات الأرمنية هزيمة فادحة بالجيش التركي حيث توقف إجتياح العدو (معارك سارداراباد، غاراكيليكس، باش أباران). وبعد هذا الانتصار الكبير، أعلن المجلس الوطني الأرمني استقلال دولة أرمينيا. وكانت الدولة الأرمنية الحديثة تضم المقاطعات التي كانت تحت سيطرة الروس (وهي تقع في شرق تركيا حاليا).

وفي أواسط شهر تشرين الأول، قدم أدوارد ليتل (وهو عضو في الكونغرس الأمريكي) تقريرا إلى الكونغرس يذكر فيه أن للشعب الأرمني الحق في أن يكون حرا ومستقلا، وأن يكون له منفذا على البحر وأن يكون سيد الحضارة المسيحية.

بعد الحرب العالمية الأولى:
وضعت معاهدة مودروس حدا للحرب بين الحلفاء وتركيا. ويقدر عدد الضحايا الذين سقطوا خلال المذابح بمليون ونصف المليون.

في 12 تشرين الثاني، إعترفت تركيا بالجمهورية الأرمنية، وفي السنة التالية أعادت تركيا ولايات كارس وأرضاهان إلى الأرمن، لكن هذه الخطوة لم تكن إلا خطوة مؤقتة.

وفي 13 تشرين الثاني 1918 كان للورد جيمس برايس موقفا حاسما حيث صرح:
“كما تعلمون، أيها السادة، أن الحكومة التركية الحالية كانت تحتضن شعبا تعرض إلى مذابح مروعة في سنة 1915. ومن يرغب في معرفة المزيد، بإمكانه قراءة الكتاب الأزرق (Blue Book) لوزير خارجية بريطانية (الصادر عام 1916)، حيث يجد التفاصيل الرهيبة حول تلك المجازر. ولا يعتبر طلعت باشا، وهو مؤسس جمعية الاتحاد والترقي، المسؤول الوحيد عنها، بل هناك آخرون في مراكز السلطة التركية الحالية.

هكذا إذا، تم تخطيط وتنفيذ أول وأكبر جريمة ضدّ الإنسانية في تاريخ البشرية الحديث. وقد استغلت تركيا الظروف الدولية المتشنجة، خاصة اندلاع الحرب العالمية الأولى، لتنفيذ مخططاتها الجهنمية. لكن، وكما ورد، صمد الشعب الأرمني بفضل إرادته الصلبة وشغفه للعيش والاستمرار، رغم الحسارة البشرية الفادحة التي تلقتها.

اليوم، وبعد مرور قرابة القرن على تلك الجريمة الكبرى، لا يزال المجرم ينكر فعلته الشنيعة ولا يعترف بحقوق الشعب الأرمني. بل وأكثر، يحاول جاهدا طمس الحقيقة وتزوير التاريخ أمام الرأي العام الدولي. لكن تبقى الحقيقة ساطعة مهما اعتراها غبار الزمن.



Top