علم موسى داغ: صورة من بورسعيد 1915
صورة واحدة من بورسعيد، أيلول ١٩١٥: أرمن من موسى داغ يحملون العلم الذي استدعى سفينة فرنسية بعد ثلاثة وخمسين يوماً على الجبل. مكتبة الكونغرس تفهرسها تحت اسم «الصليب الأحمر»، وتقول إنّ مكانها وتاريخها ترجيح لا أكثر.
علم موسى داغ: صورة من بورسعيد 1915
ما في الصورة
بحسب وصف مكتبة الكونغرس، تُظهر الصورة أرمن يحملون العلم الذي استخدموه لطلب النجدة بعد مقاومتهم في موسى داغ. الأصل لوح زجاجي سالب، مقاسه خمس بوصات في سبع أو أصغر.
العلم في الصورة محمول، لا مرفوع. إن صحّ أنّ المكان بورسعيد، فالشيء الذي نراه قد أدّى مهمّته قبل أن تُلتقط الصورة: يُعرض على عدسة، لا يُشير إلى سفينة.
ما جرى قبلها وبعدها
في تمّوز 1915 بلغت أوامر الترحيل ستّ قرى أرمنية عند سفح موسى داغ — جبل موسى — على الساحل المتوسّطي جنوب الإسكندرونة وغربي أنطاكية. رفض الأهالي الأمر وانسحبوا إلى أعالي الجبل: نحو أربعة آلاف مدني وستّمئة مقاتل، صمدوا ثلاثة وخمسين يوماً بين 21 تمّوز و12 أيلول.
القسّ دِكران أندرياسيان، رئيس الهيئة الإدارية العامة على الجبل، هو صاحب فكرة العلمين: راية تحمل صليباً أحمر، وأخرى طُرّزت عليها بأحرف إنكليزية سوداء غليظة عبارة «مسيحيون في ضائقة: أنقذونا». أعدّتهما نساء من القرى، وعُلّقا على أشجار عالية تُشرف على البحر. وأُرسل سبّاحون إلى عرض الماء علّهم يبلغون سفينة عابرة.
رصدت الطرّاد الفرنسي غيشان الإشارة. وبقرار من نائب الأميرال لوي دارتيج دو فورنيه، أقلّت خمس سفن — غيشان ودِيزيه وأميرال شارنيه ودِتريه وفودر — الأهالي يومي 12 و13 أيلول. وفي 14 أيلول 1915 رسا أكثر من أربعة آلاف لاجئ في بورسعيد الخاضعة للحكم البريطاني.
أُسكنوا في مخيّمات على الضفة الشرقية لقناة السويس مقابل المدينة. وفي خريف السنة نفسها تولّى الاتحاد الأرمني الخيري العام إدارة المخيّم الرئيسي، مع مستوصف يعمل بمساعدة الصليب الأحمر الأرمني، وورش تشغيل أدارها الصليب الأحمر الأميركي وجمعية «أصدقاء أرمينيا» البريطانية. التحق نحو ستّمئة شاب منهم بالفيلق الشرقي الفرنسي. وفي 1919 عاد الباقون إلى قراهم.
عادوا ليغادروا مرّة أخيرة: في 29 حزيران 1939 سُلّم لواء الإسكندرونة إلى تركيا، فرحل أهل القرى الستّ — إلى عنجر في البقاع اللبناني، وإلى موسى لِر في أرمينيا — ولم تبقَ سوى قرية واحدة، فاكِفلي، وهي اليوم القرية الأرمنية الوحيدة الباقية في تركيا. وفي 1933 نشر فرانتس فيرفل روايته «أربعون يوماً في موسى داغ»، فصار الحدث معروفاً في العالم قبل أن تُعرف صوره.
كيف نقرأ صورة كهذه
العنوان ليس عنواننا. الصورة مفهرسة تحت اسم «الصليب الأحمر». وكالة بِين أرشفتها بوصفها مادّة عن منظّمة إغاثة، لا عن أرمن. وتنصّ المكتبة صراحة على أنّ العنوان مأخوذ من بيانات غير موثّقة قدّمتها الوكالة على بطاقة التعريف. أي أنّ التسمية الأرمنية للصورة جاءت لاحقاً ومن خارجها.
التاريخ والمكان استنتاجان، لا تسجيلان. سنة الإنتاج مُدرجة بين معقوفتين، وموضع الالتقاط «على الأرجح» بعد الوصول إلى بورسعيد. والأساس الذي بنت عليه المكتبة هذا الترجيح صورة شبيهة محفوظة في أرشيف Project SAVE. بعبارة أخرى: المؤسّسة تخبرنا أنّها طابقت هذه الصورة على صورة أخرى. هذا استدلال جيّد، وليس وثيقة.
كان هناك علمان. أيّهما في الإطار يغيّر المعنى. راية «مسيحيون في ضائقة» كُتبت بالإنكليزية، أي أنّها موجَّهة إلى بحرية بعينها بلغة لم يكن معظم أهل القرى يتكلّمونها. أمّا الصليب الأحمر فرمز يقرأه أيّ عابر. الأوّل رهان على من سيمرّ؛ الثاني رهان على أن يمرّ أحد.
ما لم تستطع الكاميرا التقاطه هو الحدث نفسه. لم يكن على الجبل مصوّر. الأيام الثلاثة والخمسون كلّها — الحصار والجوع والاشتباكات — لا وجود لها في الصور، بل في الشهادات المكتوبة وفي سجلّات البحرية الفرنسية. السجلّ المصوّر لموسى داغ يبدأ بعد النجاة. هذا الغياب ليس ثغرة في الأرشيف، بل هو شكل الحدث: مقاومة جرت خارج مدى أيّ عدسة.
وأخيراً، هذه بضاعة صحافية. وكالة بِين كانت تبيع الصور للجرائد. اللقطة أُعِدّت لتُنشر مع خبر، وترتيب الأشخاص أمام العلم يخدم ذلك الخبر. لا يقلّل هذا من صدقها، لكنه يفسّر لماذا نرى شيئاً مرفوعاً للعرض بدل مشهد عابر.
ملاحظة أرشيفية
الأصل لوح زجاجي سالب ضمن مجموعة جورج غرانثام بِين في مكتبة الكونغرس، مصوَّر رقميّاً عن السالب مباشرة تحت الرقم LC-DIG-ggbain-27204. الموضوعات المُسنَدة إليه في الفهرس: «الدفاع عن موسى داغ، تركيا، 1915» و«الإبادة الأرمنية، 1915–1923».
غير المعروف، صراحةً: اسم المصوّر. اليوم الذي التُقطت فيه. ما إذا كانت التُقطت في بورسعيد أم على ظهر سفينة أم في مكان ثالث. أسماء أيّ من الأشخاص في الإطار. وأيّ العلمين هو المعروض. ولا يُعرف كذلك مصير العلم نفسه بعد ذلك.
بشأن الحقوق: توصية المكتبة هي «لا قيود معروفة على النشر»، وهي تنبّه إلى أنّها لا تملك حقوق موادّها ولا تستطيع منح إذن أو منعه، وأنّ تقييم القيود يقع على من ينشر. وضعنا يستند إلى أمرين مستقلّين عن ذلك: النشر سنة 1915، وجهالة المصوّر.
وصلت إلى هنا من فيسبوك أو إنستغرام؟
«خبر أرمني» يتابع أرمينيا والشتات منذ عام 2006. تصلك نشرتنا كل يوم جمعة بأهم ما جرى خلال الأسبوع.