موسى داغ 1915: الصورة التي التُقطت على متن طرّاد فرنسي
ثلاثة وخمسون يومًا على الجبل، ثم سفينة حربية، ثم مخيّم في بورسعيد، ثم قرية في سهل البقاع. صورة واحدة تختصر مسارًا كاملًا.
ناجون أرمن على متن سفينة حربية فرنسية بعد الإجلاء من ساحل موسى داغ، أيلول 1915.
ما في الصورة
سطح سفينة حربية، ومئات من البشر يجلسون ويقفون فوقه من دون أي أثاث أو مأوى. ليسوا ركّابًا، وليسوا أسرى. هؤلاء ما تبقّى من ست قرى أرمنية عند سفح جبل موسى، شمال أنطاكية، بعد أن رفض أهلها أمر الترحيل في تموز 1915 وصعدوا إلى الجبل بدل أن ينزلوا إلى الصحراء.
ما جرى قبلها
حين وصل أمر الترحيل إلى قرى موسى داغ، انقسم الأهالي بين من رأى الامتثال ومن رأى المقاومة. صعد نحو أربعة آلاف شخص إلى الجبل ومعهم ما استطاعوا حمله من مؤن وبنادق صيد. صمدوا ثلاثة وخمسين يومًا في مواجهة حصار متكرر، ونظّموا أنفسهم في لجان للدفاع والتموين والرعاية.
ومع نفاد المؤن، نصبوا على منحدر الجبل المطلّ على البحر لافتتين كبيرتين: واحدة عليها صليب أحمر، والثانية تحمل عبارة بالإنكليزية تستغيث بمن يمرّ. لم يكن ذلك رهانًا محسوبًا بقدر ما كان آخر ما يمكن فعله. وفي أيلول رصدت سفينة فرنسية اللافتتين من عرض البحر.
كيف نقرأ صورة كهذه
لا تُظهر الصورة لحظة الإنقاذ، بل ما بعدها بساعات. الأجساد مرتّبة، والأطفال في الأحضان، ولا أثر للحركة — وهي علامة على أن التصوير جرى حين هدأ كل شيء. أما غياب الأمتعة فيقول ما لا تقوله الوجوه: هؤلاء غادروا بما عليهم فقط.
وكما في معظم صور تلك السنة، لا نعرف اسم المصوّر ولا اسم أيٍّ ممّن في الصورة. هذا الغياب جزء من الوثيقة نفسها، ولا ينبغي سدّه بالتخمين.
ما جرى بعدها
نقلت السفن الفرنسية الناجين إلى بورسعيد في مصر، حيث أقاموا في مخيّم للاجئين حتى نهاية الحرب. ومن هناك عاد قسم منهم إلى قراهم عام 1919 حين صار اللواء تحت الانتداب الفرنسي.
لكن العودة لم تدم. فحين ضُمّ لواء الإسكندرونة إلى تركيا عام 1939، غادر معظم أهالي موسى داغ مرة ثانية، واستقرّوا هذه المرة في سهل البقاع اللبناني، في بلدة أنشأوها من الصفر وسمّوها عنجر. وقُسّمت البلدة إلى ستة أحياء، كل حيّ يحمل اسم إحدى القرى الست التي تركوها خلفهم.
وهكذا تنتهي هذه الصورة، التي التُقطت على متن سفينة قبالة ساحل تركي، إلى بلدة لبنانية ما تزال قائمة إلى اليوم على بعد ساعة من بيروت.
في الأدب
عام 1933 نشر الروائي النمساوي فرانتس فرفل «أربعون يومًا في موسى داغ»، مستندًا إلى شهادات جمعها عن الحادثة. جعل الكتاب القصة معروفة عالميًا، وإن اختصر مدّة الصمود إلى أربعين يومًا بدل ثلاثة وخمسين. وحين صدرت الرواية بالعربية لاحقًا، كانت من أوائل النصوص التي عرّفت القارئ العربي بما جرى للأرمن.
ملاحظة أرشيفية
هذه الصورة في الملكية العامة، ويمكن نشرها وإعادة استعمالها بحرّية. أما تفاصيل التقاطها — اسم المصوّر، والسفينة تحديدًا، واليوم بالضبط — فما تزال محلّ اختلاف بين المصادر. نعرض هنا ما يمكن إسناده، ونشير إلى ما لا يمكن.
إن كنت تملك معلومات إضافية عن هذه الصورة أو تعرف أحدًا من عائلات عنجر يملك نسخة منها، راسلنا.
وصلت إلى هنا من فيسبوك أو إنستغرام؟
«خبر أرمني» يتابع أرمينيا والشتات منذ عام 2006. تصلك نشرتنا كل يوم جمعة بأهم ما جرى خلال الأسبوع.