خبر أرمني الـعـالم بألوان أرمـنـية

أورورا مارديغانيان: الناجية التي مثّلت قصتها في فيلم أمريكي عام 1919

في 1919 مثّلت أورورا مارديغانيان قصتها الشخصية في فيلم أميركي عن الإبادة الأرمنية. اختفى الفيلم بعد سنوات، ولم يبقَ منه سوى نحو ربع ساعة اكتُشفت في أرشيف يريفان عام 1994.

إعلان دعائي للفيلم في الصحافة السينمائية الأميركية، يونيو 1919. ليست مشهدًا من الفيلم. (ملكية عامة)
إعلان دعائي للفيلم في الصحافة السينمائية الأميركية، يونيو 1919. ليست مشهدًا من الفيلم. (ملكية عامة)

في عام 1994، في أرشيف السينما بيريفان، جلس جامع مقتنيات أرمني من الأرجنتين اسمه إدواردو كوزانليان أمام بكرة فيلم صامت مفهرسة تحت عنوان بالأرمنية السوفياتية: «أعظم مأساة في تاريخ الشعب الأرمني». كان عدد قليل من الباحثين قد شاهدوا الشريط، وظنّه أحدهم مادة وثائقية عن دير الزور. لم يكن كذلك. بمقارنة اللقطات بصور فوتوغرافية كان كوزانليان قد جمعها على مدى سنوات، تبيّن أن نحو أربع عشرة دقيقة من الشريط هي ما بقي من فيلم أميركي روائي أُنتج عام 1919، أدّت بطولته فتاة أرمنية ناجية لعبت دور نفسها: أورورا مارديغانيان.

من تشمشكاتساك إلى نيويورك

وُلدت أرشالويس مارتيكانيان في 12 يناير 1901 في تشمشكاتساك، شمال خاربوت، في ولاية معمورة العزيز العثمانية. كانت العائلة ميسورة؛ تصف المصادر الأب بالصيرفي أو التاجر أو صاحب معمل حرير، ولا تتفق على عدد إخوتها. كانت في الرابعة عشرة عام 1915 حين اعتُقل أبوها وأخوها الأكبر وسِيقت بقية العائلة إلى التهجير.

بحسب روايتها، قطعت نحو 1400 ميل (2300 كم)، وبيعت أكثر من مرة، وشهدت مقتل أفراد عائلتها. هربت في النهاية إلى الأراضي الروسية، ومنها إلى تفليس، حيث التقت ممثلين عن اللجنة الأميركية للإغاثة الأرمنية والسورية، فأوصلوها عبر بتروغراد وكريستيانيا (أوسلو) إلى نيويورك عام 1917 وهي في السادسة عشرة. تذكر بعض الروايات وساطة الجنرال أنطرانيك في تسهيل سفرها؛ هذه التفصيلة تعتمد على مصدر واحد ولا تؤكدها الوثائق الأخرى.

الكتاب

في نيويورك نشرت إعلانات في الصحف بحثًا عن أخيها الناجي. لم تجده، لكن الإعلانات جلبت الصحفيين، ثم جلبت كاتب السيناريو هارفي غيتس. أصبح غيتس وزوجته إليانور براون غيتس وصيّيها القانونيين، وحُوّلت روايتها إلى مسلسل صحفي في صحف هيرست ثم إلى كتاب صدر أواخر 1918 بعنوان Ravished Armenia، «بترجمة» غيتس ومقدمة نورا والن. في هذه المرحلة صار اسمها أورورا مارديغانيان، بصيغة أسهل على القارئ الأميركي.

قال المؤرخ السينمائي أنتوني سلايد، الذي حاورها عام 1988، إنها روت القصة على ثلاثة أيام لأن التذكّر كان يوقفها، وإن الكتاب يحمل بالتالي أخطاء في التواريخ. تشير تقديراته إلى أن طبعة 1934 وحدها بلغت 360 ألف نسخة.

التصوير

اشترى ويليام سليغ حقوق الكتاب، وأخرج الفيلم أوسكار أبفل، وصُوّر أواخر 1918 قرب نيوهول في كاليفورنيا وفي استوديو سليغ في لوس أنجلوس. كان الفيلم من ثماني بكرات، أي نحو ساعتين. أعلنت مجلة Moving Picture World في يناير 1919 عن مشاركة 8000 أرمني ككومبارس، بينما يتحدث نص الخبر نفسه عن «عدة آلاف» من أرمن جنوب كاليفورنيا، كثيرون منهم ناجون من الأحداث ذاتها التي يعيدون تمثيلها.

خلال تصوير مشهد هربها من الحريم، سقطت وهي تقفز بين سطحين وكُسر كاحلها. استمر التصوير، وكانت تُحمل إلى مواقعه. أما مشهد صلب الفتيات على صلبان خشبية، فقالت بعد نحو سبعين عامًا لسلايد إنه غير مطابق لما رأته: الطريقة الفعلية كانت الخوزقة، وقد استبدلها الأميركيون بصورة «أكثر تهذيبًا» لأنهم لا يستطيعون عرض ما جرى فعلًا. تُنقل هذه العبارة عنها بصيغتها في مقابلتها مع سلايد وحده.

هناك ادعاء إضافي يجب التعامل معه بحذر: كتب غيتس لاحقًا سلسلة صحفية بتوقيع عارضة الأزياء أودري مانسن ذكر فيها أن إحدى العارضات المشاركات في المشهد، واسمها كورين غراي، ماتت بالإنفلونزا بعد أيام من التصوير في الصحراء. المصدر الوحيد لهذه الواقعة هو غيتس نفسه، في سياق دعائي.

عرض بعشرة دولارات

عُرض الفيلم أول مرة في نيويورك في 16 فبراير 1919 في قاعة فندق بلازا، لمصلحة اللجنة الأميركية للإغاثة. بيعت التذاكر في مدن عدة بعشرة دولارات للمقعد، في زمن كانت فيه تذكرة السينما العادية تتراوح بين 25 و35 سنتًا. تلا ذلك جولة في 21 مدينة. في لندن عُرض باسم Auction of Souls، وفي 1920 عُرض مرتين يوميًا لثلاثة أسابيع في قاعة ألبرت الملكية بعد حذف خمسة مشاهد؛ ولم يُقدَّم أصلًا إلى هيئة الرقابة البريطانية. وعُرض في باريس في 11 ديسمبر 1919 في صالة غافو.

منعت هيئة الرقابة في ولاية بنسلفانيا الفيلم، فرفع الموزعون دعوى وكسبوها في يونيو 1919؛ رأى القاضي أن الشريط تعليمي في طبيعته.

الاعتراض الأهم جاء من الأرمن أنفسهم. يسجّل تقرير الاتحاد الوطني الأرمني في أميركا عن السنوات 1917–1921 أن الاتحاد سعى إلى وقف عروض الفيلم لأن ما فيه «يجرح المشاعر الأرمنية»، وأن الكيميائي موشيغ فايكوني سافر من سان فرانسيسكو إلى نيويورك للاحتجاج على الفيلم وعلى استغلال الفتاة معًا.

سبع فتيات باسم أورورا

لم تحتمل مارديغانيان جدول الظهور العلني المرافق للعروض. اعترف غيتس لاحقًا بأن سبع نساء أخريات كنّ يظهرن باسمها في مناطق مختلفة من البلاد ويبعن الكتاب. كان الكتاب يُباع بخمسين سنتًا، وحصتها منه خمسة سنتات.

تختلف المصادر في أرقام أجرها. الرواية الأكثر تفصيلًا تقول إنها كانت تستحق 7000 دولار عن الفيلم ولم تتسلم سوى 195 دولارًا، فقاضت وصيّتها إليانور براون غيتس وحُكم لها بخمسة آلاف. روايات أخرى تختصر ذلك إلى «دعوى بقيمة 7000 دولار كسبتها». الرقم الذي تتفق عليه أحكام المحكمة هو 5000.

كذلك تتفاوت الأرقام المنسوبة إلى حصيلة الحملة التي رافقت الفيلم تفاوتًا كبيرًا — من 30 مليون دولار إلى 116 مليونًا — لكن هذه أرقام تخص حملة الإغاثة في مجملها لا الفيلم وحده، ولا يمكن عزل حصة الشريط منها.

كيف اختفى الفيلم

بعد أوائل العشرينيات اختفت النسخ. في 1938 اشترى مصوّر أرمني في باريس اسمه يرفانت سيتيان نسخة من فيلم صامت عن «استشهاد شعب» (Le martyre d’un peuple)، منسوبة في كتيّبها إلى شهادة فتاة تُدعى «إليز غرايتريان». لم يعرف سيتيان أنه اشترى Ravished Armenia بعنوان آخر وشهادة باسم آخر. حين انتقل إلى أرمينيا السوفياتية عام 1947 حمل الأفلام معه.

هنا تتضارب الروايات. مقال سوفياتي عام 1988 يقول إنه سلّم أفلامه إلى أرشيف يريفان. وأخبر سيتيان نفسه كوزانليان لاحقًا أن الأمن صادر الشحنة في باطوم ولم يُعِدها، وأن هذا الجزء وحده نجا. أما ما تكرر على أغلفة أشرطة الفيديو من أن البكرات غرقت مع سفينة قرب باطوم، فلا يستند إلى مصدر ويرفضه الباحث فارتان ماتيوسيان.

كان سيتيان يعتقد أن أنقرة دفعت لإحراق النسخ. لا دليل على ذلك. الأرجح أدعى إلى التواضع: من بين 10919 فيلمًا صامتًا أُنتج في الولايات المتحدة بين 1912 و1929، بقي 3313 فقط، كاملة أو ناقصة.

كذلك تختلف المصادر في طول ما بقي: أربع عشرة إلى خمس عشرة دقيقة من المادة الأصلية بحسب كوزانليان وماتيوسيان، ونحو عشرين دقيقة بحسب متحف الإبادة في يريفان، و22 أو 24 أو 25 دقيقة في النسخ المرمَّمة التي أُضيفت إليها بطاقات وصور ثابتة، وأشهرها نسخة 2009.

صورة تُنسب إلى ما ليس لها

من مشهد الصلب في الفيلم خرجت صورة ثابتة تنتشر حتى اليوم على الإنترنت باعتبارها صورة فوتوغرافية حقيقية التُقطت أثناء الإبادة. ليست كذلك: هي لقطة من فيلم روائي صُوّر في كاليفورنيا عام 1918، ولمشهد قالت بطلته نفسها إنه لا يطابق ما حدث. نبّهت إلى ذلك جهات تدقيق ومؤرخون. نشر مثل هذه الصورة على أنها وثيقة يضرّ بملف قائم على وثائق حقيقية وفيرة.

ما بقي

تزوجت مارديغانيان في العشرينيات وعاشت في لوس أنجلوس، ورفضت عروض تمثيل أخرى. أدلت بشهادات مصوّرة في السبعينيات والثمانينيات. توفيت في 6 فبراير 1994 عن 93 عامًا. يكتب سلايد أن جثمانها لم يطالب به أحد وأنها دُفنت في قبر بلا شاهد.

يحتفظ متحف-معهد الإبادة الأرمنية في يريفان بنسخة من الجزء الباقي. الكتاب متاح كاملًا على الإنترنت بالنص الأصلي، وقد تُرجم إلى الأرمنية وصدر في بيروت عام 1965 عن جريدة «زارتونك» بترجمة مارديروس كوشاكجيان. نشر سلايد سيناريو الفيلم كاملًا عام 2014؛ وقائمة البطاقات الأصلية محفوظة ضمن مجموعة سليغ في مكتبة مارغريت هيريك.

في 30 سبتمبر 2024 كُشف النقاب عن نصب لأورورا مارديغانيان قرب متحف-معهد كوميتاس في يريفان، من عمل النحات فيغين أفيتيس والمهندس أشوت أرشاكيان. وُضع تحته تراب من مدفنها في لوس أنجلوس، ورفات من ضحايا دير الزور جُلبت من أنطلياس في لبنان.

____

أُعِدّ هذا المقال اعتمادًا على أبحاث فارتان ماتيوسيان في The Armenian Weekly، وأعمال أنتوني سلايد، ومجلات الصناعة السينمائية الأميركية لعام 1919، وتقرير الاتحاد الوطني الأرمني في أميركا 1917–1921.

وصلت إلى هنا من فيسبوك أو إنستغرام؟

«خبر أرمني» يتابع أرمينيا والشتات منذ عام 2006. تصلك نشرتنا كل يوم جمعة بأهم ما جرى خلال الأسبوع.