بين موسكو وبروكسل: هل الحياد ممكن؟
شكت أرمينيا روسيا إلى تكتّل تقوده روسيا. هذه ليست مفارقة عابرة، بل وصف دقيق لموقع يريفان اليوم بين اتحادَين.
في 8 أيلول/سبتمبر 2026 قدّمت يريفان شكوى رسمية إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. موضوع الشكوى: أنّ روسيا تخرق قواعد الاتحاد بقيودها على البضائع الأرمنية. قال نائب وزير الاقتصاد تيغران غاسپاريان إنّ أرمينيا تنتظر تفعيل آليات الاتحاد لرفع الحواجز التجارية.
أي أنّ أرمينيا تطلب من تكتّل تقوده روسيا أن ينصفها من روسيا، وهي تعاقَب لأنها تفكّر في مغادرة التكتّل.
قبل ذلك بيوم واحد، في 7 أيلول/سبتمبر، قال المتحدّث باسم الكرملين دميتري پيسكوف إنّ المسألة الجوهرية هي اختيار أرمينيا لاتّجاه تطوّرها، وإنّ عليها أن تحسم باستفتاء: الاتحاد الأوروبي أم الاتحاد الأوراسي.
هذا هو السؤال المطروح اليوم، وهو ليس سؤالاً نظرياً.
الاستراتيجية التي لم تُسمَّ
منذ أيلول/سبتمبر 2023 اتّخذت يريفان سلسلة خطوات متّجهة كلّها في اتّجاه واحد، من دون أن تُعلن يوماً عن عقيدة تجمعها.
- شباط/فبراير 2024: تجميد المشاركة في منظمة معاهدة الأمن الجماعي
- 2024: طلب سحب حرس الحدود الروسي من مطار زﭬارتنوتس، والامتناع عن تمويل ميزانية المنظمة
- 2024: الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية
- كانون الثاني/يناير 2025: شراكة استراتيجية مع الولايات المتّحدة
- 26 آذار/مارس 2025: قانون برلماني يكلّف الحكومة ببدء مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي
- 5 أيار/مايو 2026: أوّل قمّة ثنائية بين أرمينيا والاتحاد الأوروبي، في يريفان
وفي المقابل، لم يحدث أيّ من الآتي: لم تنسحب أرمينيا من منظمة الأمن الجماعي، ولم تنسحب من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ولم تتقدّم بطلب عضوية رسمي إلى الاتحاد الأوروبي — فالقانون إعلان نيّة لا طلب انضمام — ولم تُغلق القاعدة العسكرية الروسية 102 في غيومري، وعقد إيجارها ساري حتى 2044 وفيها نحو خمسة آلاف جندي.
هذه ليست سياسة حياد معلَنة. لا أحد في يريفان استعمل الكلمة. وهي ليست انحيازاً معلَناً أيضاً. إنها وضع ثالث بلا اسم: الخروج من الإطار القديم من دون الدخول في إطار جديد، بخطوات كلّ منها منفردة أصغر من أن تستدعي ردّاً حاسماً.
الرهان الضمني في هذه الاستراتيجية واضح: أنّ موسكو، المنشغلة في أوكرانيا، ستبتلع الخطوات واحدة واحدة ما دامت كلّ خطوة دون عتبة معيّنة. الرهان صمد سنتين. وفي 2026 قرّرت موسكو أن تضع العتبة بنفسها.
انتقال الضغط من الأمن إلى التجارة
لسنوات كانت ورقة موسكو الأقوى أمنية: كاراباخ، والضمانة ضدّ باكو وأنقرة. هذه الورقة احترقت في أيلول/سبتمبر 2023 حين لم يتحرّك حفظة السلام الروس. بل إنّ احتراقها هو السبب المباشر للانعطافة الأرمنية أصلاً. فانتقل الضغط إلى حيث تبقى اليد الروسية ممسكة فعلاً: الاقتصاد.
تسلسل 2026 يوضّح ذلك:
- 23 أيار/مايو: حظر استيراد مياه جرموك ونوعَين من النبيذ ونوع من الكونياك، بعد أيام من استضافة يريفان قمّتين أوروبيتين
- 27 أيار/مايو: رسالة من وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليوف تحذّر من تعليق أو إنهاء اتفاق 2013 لتوريد الغاز والمشتقّات النفطية والماس الخام، بسبب مسار الانضمام الأوروبي
- 29 أيار/مايو: قادة الاتحاد الأوراسي يطالبون أرمينيا باستفتاء فوري تختار فيه بين الاتحادين، ورويترز تنقل أنّ التكتّل يدرس تعليق عضويتها
- حزيران/يونيو وما بعده: توسّع الحظر ليشمل الأسماك والزهور والخضار والفواكه والعنب والبطاطا والفواكه المجفّفة والألبان ومشروبات أخرى، ومنع عبور البضائع الأرمنية عبر الأراضي الروسية إلى بقيّة دول الاتحاد. السبب المعلَن: مخالفات في الاشتراطات الصحّية النباتية
الأرقام بعد سبعة أشهر: انخفضت الصادرات الأرمنية 7.9% لتبلغ 4.04 مليار دولار، وتراجع تموز/يوليو وحده 15.7% عن الشهر نفسه من العام السابق، بحسب وزير الاقتصاد غيفورغ پاپويان. وانكمش قطاع الزراعة والحراجة ومصايد الأسماك 15.3% في النصف الأوّل من السنة.
الحجّة الأولى: الموازنة ممكنة، وهي الخيار الواقعي الوحيد
أقوى صياغة لهذا الموقف لا تقوم على العاطفة بل على البنية التحتية.
نحو 80 إلى 82% من الغاز الأرمني روسي، وشركة «غازپروم أرمينيا» مملوكة بالكامل للشركة الأمّ وتسيطر على شبكة التوزيع. وقود مفاعل متسامور من «روساتوم». سكك الحديد بعرض القياس الروسي. والحدود البرّية مع تركيا وأذربيجان مغلقة، فطرق التصدير تمرّ عبر جورجيا وإيران. وإيران تستطيع تعويض جزء من الغاز، لا كلّه.
وفي الأمن: لا دولة أخرى قدّمت لأرمينيا ضمانة دفاع متبادل تعادل المادة الرابعة من معاهدة الأمن الجماعي. الاتحاد الأوروبي يقدّم أسواقاً ومالاً وبعثة مراقبين غير مسلّحين. لا يقدّم مظلّة.
الخلاصة في هذه الحجّة: أن تبقى الأشياء بلا اسم ليس تردّداً بل حصافة. الاسم يستدعي ردّاً، والغموض يشتري وقتاً، والوقت هو ما تحتاجه دولة تعيد بناء اقتصادها وجيشها.
الحجّة الثانية: الموازنة انتهت، وموسكو هي من أنهاها
الصياغة الأقوى لهذا الموقف تقول إنّ الاستراتيجية غير المسمّاة كانت تفترض أنّ الطرف الآخر سيقبل عدم التسمية. وقد رفض.
مطلب پيسكوف في 7 أيلول/سبتمبر ليس دعوة إلى حوار بل تحديد لشروط البقاء. والمطالبة الجماعية بالاستفتاء في 29 أيار/مايو جعلت الأمر رسمياً وجماعياً لا ثنائياً. ورسالة وزير الطاقة ربطت صراحةً بين مسار بروكسل واستمرار توريد الغاز.
وفي هذه القراءة، الاعتماد الاقتصادي الذي تستند إليه الحجّة الأولى هو نفسه الذي يجعل الموازنة مستحيلة: كلّما طال التأرجح، بقيت أرمينيا في وضع تستطيع فيه موسكو أن تفرض كلفةً في أيّ لحظة تختارها. التأجيل لا يبني بديلاً، بل يمدّد الانكشاف.
ماذا تقول الأرقام فعلاً
الأرقام لا تحسم بين الحجّتين، لكنها تضيّق المسافة.
تراجع الصادرات 7.9% خسارة موجعة وليست انهياراً. وقد ردّ الاتحاد الأوروبي: في 2 أيلول/سبتمبر 2026 وافق مجلس الاتحاد على تعليق الرسوم الجمركية على نحو 80% من الصادرات الأرمنية لمدّة سنتين، بينها ما يقارب 99% من الفواكه والخضار والنباتات الطازجة وأكثر من 91% من المشروبات والكحوليات — أي تحديداً الأصناف التي حظرتها روسيا. ينتظر القرار موافقة البرلمان الأوروبي. وسبقته حزمة مساعدة بخمسين مليون يورو أعلنتها أورسولا فون دير لاين قبل أيام من انتخابات حزيران/يونيو.
لكنّ حجم السوق الأوروبية لا يقارَن بعد. كان الاتحاد الأوروبي في 2025 ثالث شركاء أرمينيا التجاريين، بنسبة 11.3% من إجمالي التبادل و7.9% من الصادرات السلعية. الإعفاء الجمركي يفتح باباً؛ لا يبني سوقاً بديلة في سنتين.
وهناك ما لا يعوَّضه أيّ إعفاء جمركي: الغاز، والوقود النووي، وعرض سكّة الحديد. هذه ليست روابط سياسية تُفكّ بقرار، بل روابط مادّية وتعاقدية. قرار برلماني لا يغيّر مسار أنبوب.
الشتات ليس صفّاً واحداً في هذه المسألة
من السهل أن يُقرأ النقاش كأنّه بين يريفان وشتاتها. الواقع أعقد: الشتات نفسه منقسم، والانقسام جغرافي إلى حدّ بعيد.
أكبر تجمّع أرمني خارج أرمينيا موجود في روسيا. تختلف الأرقام اختلافاً كبيراً — من نحو 1.2 مليون في التعدادات الرسمية إلى ما يتجاوز مليونَين في تقديرات المؤسّسات الأهلية — لكنّ الترتيب لا يختلف. ومصالح هذه الجالية في علاقة مستقرّة مع موسكو ليست مصالح جاليات فرنسا أو الولايات المتّحدة.
أمّا جاليات العالم العربي فتنظر من زاوية ثالثة. في لبنان وسوريا والعراق، للدور الروسي الإقليمي سياقه المحلّي المعروف، ولأرمن هذه البلدان تجربتهم الخاصّة مع ما يعنيه الاعتماد على ضامن خارجي حين ينشغل بمكان آخر. هذه ليست تجربة نظرية بالنسبة إليهم.
ما لم يُحسم
أمام أرمينيا استفتاءان محتملان، لا استفتاء واحد، وهما يشدّان في اتّجاهين.
الأوّل دستوري، مقرّر عام 2027، وسببه شرط أذربيجاني: تعديل ديباجة الدستور كي يمكن توقيع اتفاق السلام. والثاني هو ما تطالب به موسكو وشركاؤها: استفتاء يختار فيه الأرمن بين الاتحادين.
حكومة باشينيان تملك أربعة وستّين مقعداً من مئة وسبعة بعد انتخابات حزيران/يونيو 2026 — ثلاثة أخماس البرلمان، لا ثلثيه. أي أنّ التعديل الدستوري يحتاج أصواتاً من المعارضة، وهي معارضة تتّهم الحكومة بالتفريط. وأيّ استفتاء في هذه السنوات يُعرض على ناخبين ما تزال هزيمتا 2020 و2023 قريبتَين منهم.
السؤال الحقيقي إذن ليس «الاتحاد الأوروبي أم روسيا؟». هذا سؤال صحفي. السؤال هو: هل توجد حالة ثالثة مستقرّة يمكن البقاء فيها سنوات — لا أشهراً — من دون أن يفرض أحد الطرفين تسميتها؟
حتى الآن، لا أحد أثبت أنها موجودة، ولا أحد أثبت أنها ليست كذلك. ما تغيّر في 2026 أنّ كلفة معرفة الجواب صارت تُدفع من الصادرات الزراعية.
وصلت إلى هنا من فيسبوك أو إنستغرام؟
«خبر أرمني» يتابع أرمينيا والشتات منذ عام 2006. تصلك نشرتنا كل يوم جمعة بأهم ما جرى خلال الأسبوع.