خبر أرمني الـعـالم بألوان أرمـنـية

حين تختلف يريفان مع الشتات

في 3 تموز 2026 لم تعد الجنسية الأرمنية وحدها تكفي للاقتراع. ثلاثة إجراءات في ثلاثة أشهر أعادت تعريف من ينتمي قانونياً إلى الدولة الأرمنية — وكشفت خلافاً لم يعد أحد يتظاهر بغيابه.

حين تختلف يريفان مع الشتات
حين تختلف يريفان مع الشتات

في 3 تموز 2026 أقرّ البرلمان الأرمني، في قراءة ثانية وأخيرة، تعديلات على قانون الانتخابات وقانون الاستفتاءات. مضمونها أنّ الجنسية الأرمنية لم تعد وحدها تكفي للاقتراع: على المواطن أن يكون قد أمضى 366 يوماً على الأقلّ داخل أرمينيا خلال السنتين السابقتين للتصويت، وأن يكون قد عاد إلى البلاد قبل 48 يوماً من موعد انتخابات عادية. أرمنيّ لبنانيّ يحمل جواز سفر أرمنياً ويعيش في برج حمّود، ولم يُقِم في أرمينيا سنةً كاملة، لم يعد ناخباً.

التعديل ليس حادثاً منفرداً. إنّه أوّل ثلاثة إجراءات اتُّخذت خلال أقلّ من ثلاثة أشهر، وكلّها تعيد تعريف العلاقة بين الدولة الأرمنية والأرمن الذين يعيشون خارجها.

ما الذي حدث فعلاً

الإجراء الأوّل هو قانون الاقتراع أعلاه. صاغه أربعة نوّاب من كتلة «العقد المدني» الحاكمة، وقُدّم بعد أسابيع على الانتخابات النيابية التي جرت في 7 حزيران 2026. التبرير المعلن، كما ورد في مسوّغات المشروع، أنّ عدداً كبيراً من المواطنين وصل من الخارج للتصويت.

الإجراء الثاني هو برنامج الحكومة للأعوام 2026–2031، الذي عرضه رئيس الوزراء نيكول باشينيان في 20 آب 2026 وأقرّه البرلمان في 25 آب. ينصّ البرنامج على إعادة تعريف علاقة أرمينيا بالشتات على أساس مفهوم «أرمينيا الواقعية»، وعلى إدخال شرط إقامة على الأرمن الإثنيّين الراغبين في الجنسية — وهو شرط لم يكن قائماً من قبل.

الإجراء الثالث هو مشروع القوانين الذي طرحته وزارة الداخلية للنقاش العامّ في مطلع أيلول 2026. بحسب ما نُشر عنه، يفرض المشروع إقامة قانونية وحضوراً فعلياً في البلاد قبل منح الجنسية، ويرفع رسم التجنيس من 50 ألف درام إلى 250 ألفاً، ورسم التخلّي عن الجنسية من 150 ألفاً إلى مليون ونصف المليون، ويُنشئ لجنة مختصّة للبتّ في إثبات الأصل الأرمني، ويشترط أداء قسم الجنسية داخل أرمينيا خلال سنة من صدور المرسوم الرئاسي وإلّا سقط.

ثلاثة إجراءات، ووجهة واحدة: تضييق تعريف من ينتمي قانونياً إلى الدولة الأرمنية، بحيث يقوم الانتماء على الإقامة لا على الأصل.

حجّة يريفان

الحجّة الحكومية ليست خافية، وقد قيلت علناً وبوضوح.

في 14 آب 2026 قال نائب وزير الداخلية بالوكالة أرمن غازاريان إنّ عدد طلبات الجنسية تجاوز 32 ألفاً في 2025، وهو رقم قياسي في تاريخ الجمهورية، بعد أن تجاوز 20 ألفاً في كلٍّ من 2023 و2024، مقابل سبعة إلى ثمانية آلاف في السنوات السابقة. وأضاف أنّ معظم مقدّمي الطلبات من حَمَلة الجنسية الروسية، وأنّ الغاية الأولى هي الحصول على وثيقة سفر بعد القيود التي فُرضت على الروس منذ 2022. وقال إنّ الدولة لا تفرض على الأرمنيّ الإثنيّ أيّ شرط للتجنيس، واعتبر ذلك في رأيه المهني مشكلةً تحتاج معالجة.

وفي البرلمان، في آب 2026، ذهب النائب أرمن يغويان من «العقد المدني» أبعد من ذلك. قال إنّ المقولة الشائعة — كلّما قوي الشتات قويت أرمينيا — أسطورة، لأنّ الشتات ليس فاعلاً دولياً واحداً: لا مركز له ولا موازنة ولا سكّان ثابتون ولا قيادة سياسية موحّدة، ولا رقم هاتف واحد يمكن ليريفان أن تتّصل به لتحصل على جواب باسم الشتات كلّه. وشكّك صراحةً في تمثيل أسماء بعينها، منها آرام همبريان مدير اللجنة الوطنية الأرمنية في أميركا، وكاسبار كارامبيتيان رئيس الاتّحاد الأرمني الأوروبي، ومراد بابازيان عضو مكتب الطاشناق. وقال إنّ الهدف الأجدى هو العودة إلى الوطن لا تقوية الجاليات.

خلف هذه المواقف مفهوم «أرمينيا الواقعية»، الذي عرضه باشينيان في شباط 2025 في أربع عشرة نقطة، وجوهره أنّ الوطن هو الدولة المعترف بها دولياً، وأنّ الوطنية هي مصلحة هذه الدولة وحقوقها وواجباتها، لا الحنين إلى «أرمينيا التاريخية». وقال باشينيان في آب 2026 إنّ عدد العائدين إلى أرمينيا في 2025 فاق عدد المغادرين بأكثر من ثمانية آلاف.

الحجّة، في أقوى صورها، ليست عداءً للشتات: هي أنّ الدولة مسؤولة أمام مواطنيها المقيمين فيها، وأنّ جواز السفر الذي لا يقابله سكنٌ ولا ضرائبُ ولا خدمةٌ عسكرية ولا حضورٌ يومي لا يمكن أن يمنح صاحبه صوتاً في تقرير مصير من يعيشون هناك فعلاً.

حجّة الشتات

الردّ جاء سريعاً ومن مؤسّسات بعينها. كتب مراد بابازيان في 19 آب 2026 أنّ إضعاف الشتات إضعافٌ لأرمينيا، وأنّ الاعتراف الدولي بالإبادة الأرمنية — المسجّل اليوم بأشكال قانونية مختلفة في عشرات الدول والهيئات — هو ثمرة عمل الشتات المنظّم، لا ثمرة الدبلوماسية الرسمية.

وفي 27 آب أصدرت اللجنة الوطنية الأرمنية الدولية بياناً حدّدت فيه أولوياتها الأربع: حقوق أرتساخ وأهلها بما فيها المحاسبة وحقّ العودة وتقرير المصير؛ ودعم أمن جمهورية أرمينيا؛ والاعتراف الدولي بالإبادة وإدانتها والتعويضات؛ وإعداد الشباب. واتّهم البيان الحزب الحاكم بمعاداة الشتات وبترديد مواقف تركيا وأذربيجان.

يجب قول أمر بشأن هذه المصادر: الاتّحاد الثوري الأرمني (الطاشناق) ليس هيئة شتات محضة، بل حزب له امتداد داخل المعارضة في يريفان أيضاً، وله مصلحة سياسية مباشرة في هذه المعركة. ذلك لا يُبطل حججه، لكنّه جزء من قراءتها.

على أنّ نقطةً واحدة في حجّة الشتات لا تستند إلى الحزبية، بل إلى سجلّ يريفان نفسها. في تشرين الأوّل 2024 قال وزير الخارجية آرارات ميرزويان إنّ الاعتراف الدولي بالإبادة ليس أولوية بلاده الأولى. وفي كانون الثاني 2025، أمام جالية أرمنية في زيوريخ، تساءل باشينيان لماذا لم تظهر قضية الإبادة على جدول الأعمال قبل خمسينيات القرن الماضي، ودعا إلى إعادة النظر في كيفية إدراك الأرمن لما جرى. وفي أيلول 2025 قال إنّ أرمينيا لم تجنِ عوائد من الاعتراف الدولي. هذه وقائع، لا اتّهامات: خفضُ ملفّ الإبادة من مرتبة أولوية دولة هو سياسة معلنة، لا تفسير معارض.

أمّا القول إنّ ذلك يبلغ حدّ الإنكار، فهو قراءة، تبنّاها معهد لِمكِن لمنع الإبادة ووزير الخارجية الأسبق فارتان أوسكانيان وآخرون، ونفاها باشينيان صراحةً حين قال إنّه لا ينكر الإبادة ولا يساعد أنقرة على إنكارها.

أين تفترق المصالح فعلاً

معظم السجال العلني يدور حول النوايا. لكنّ الخلاف الحقيقي في ثلاثة مواضع محدّدة، وفي كلٍّ منها مصلحةٌ تتعارض مع مصلحة، لا سوء فهم يحتاج توضيحاً.

أوّلاً: الدعاوى الدولية. في 17 تشرين الثاني 2023 أمرت محكمة العدل الدولية أذربيجان بأن تتيح لمهجّري كاراباخ العودة الآمنة غير المعوَّقة، وبحفظ وثائق هويّاتهم وسجلّات ملكيّاتهم. القضية ما زالت قائمة: حدّدت المحكمة في كانون الأوّل 2025 مهلاً للمرافعات تمتدّ إلى 2027. غير أنّ نصّ اتّفاق السلام الذي وقّع الطرفان بالأحرف الأولى في البيت الأبيض في 8 آب 2025 يتضمّن، وفق ما نقلته مؤسّسات بحثية أرمنية، سحباً متبادلاً للدعاوى الدولية. هنا يقع التعارض بأصفى صوره: ما تراه يريفان ورقةَ تفاوض قابلة للمقايضة مقابل معاهدة، تراه شبكات الشتات الأداةَ الوحيدة الباقية لانتزاع محاسبة. الطرفان محقّان في وصف الأداة نفسها؛ الخلاف على ما يُشترى بها.

ثانياً: حقّ العودة. موقف الحكومة أنّ العودة غير واقعية، وأنّ الأولوية إسكان المهجّرين داخل أرمينيا. نقلت صحافة أرمنية عن باشينيان قوله في جلسة للحكومة في 26 آذار 2026 إنّ التمسّك بجدول أعمال العودة يمنع هؤلاء الناس من الاستقرار. وهذا موقف يمكن الدفاع عنه إنسانياً. لكنّه يصطدم بمشكلة قانونية لا تُحلّ بالنيّة الحسنة: إذا سحبت أرمينيا دعاواها، فإنّ المهجّرين الذين قُدِّمت قضاياهم ضمن شكاوى بين الدول قد يفقدون سبيل الحماية، ولن يكون رفع دعاوى فردية بديلاً سهلاً بعد مرور السنين. هذا التحفّظ أثارته منظّمات حقوقية أرمنية، بينها منظّمات محسوبة على الموالاة.

ثالثاً: من يعرّف الأمّة. ملاحظة يغويان الوصفية دقيقة: لا يوجد عنوان واحد للشتات، والمؤسّسات التي تتكلّم باسمه لم تُنتخب من ملايين لم يُحصَوا يوماً. هذه نقطة قوية في صالح الحكومة ولا ينبغي تجاهلها. لكنّ الاستنتاج الذي يُبنى عليها — أنّ ما لا يُمثَّل رسمياً لا يُحتسب — يخصّ قرارات لا يملك الشتات وسيلةً للمشاركة فيها أصلاً، وقد جُرِّد الآن حتّى من الصوت الذي كان يملكه بحكم الجنسية.

ما يخصّ أرمن العالم العربي تحديداً

التبرير الحكومي مبنيّ على حالة روسية: أرمن يحملون الجنسية الروسية ويطلبون جواز سفر أرمنياً للتنقّل. في بيروت وحلب المسألة مختلفة.

بحسب مكتب المفوّض الأعلى لشؤون الشتات نفسه، كان في سوريا نحو مئة ألف أرمني قبل 2011، منهم نحو ستّين ألفاً في حلب، ولم يبقَ اليوم سوى نحو ثلاثين ألفاً، فيما استقبلت أرمينيا نحو خمسة وعشرين ألفاً من أرمن سوريا. ومنذ 8 كانون الأوّل 2024 وتغيّر السلطة في دمشق، تعيش الجالية الحلبية وضعاً لم يستقرّ بعد. أمّا في لبنان، فقد قدّرت جهة بحثية أرمنية أميركية في 2017 أنّ نحو ثمانين في المئة من أرمن لبنان تقدّموا بطلب جواز سفر أرمني — تقدير قديم وأحادي المصدر، لكنّه يشير إلى وظيفة الجواز في هذه المنطقة: وثيقة أمان احتياطية، لا وسيلة تنقّل مريحة.

هذه قراءة وليست وقيعة: النصّ التشريعي لا يفرّق بين الحالتين، لأنّه صيغ عامّاً. ولم أعثر على تصريح رسمي أرمني يتناول هذا الفارق تحديداً. وإذا أُقرّ شرط الإقامة كما هو مطروح، فإنّ جالياتٍ نشأت أصلاً من ناجين لم يكن لهم بلد يعودون إليه ستجد أنّ صلتها القانونية بالدولة الأرمنية صارت مشروطة بإقامة يصعب على معظمها تحقيقها.

ثمّة فارق آخر. جاليات العالم العربي متينة مؤسّسياً — مدارس، أبرشيات، صحافة، أحزاب — لكنّها صغيرة عددياً ولا وزن انتخابي لها في بلدانها كما لأرمن كاليفورنيا أو فرنسا. نفوذها كان دائماً مؤسّسياً بحتاً. وهو تحديداً النوع من النفوذ الذي تضع يريفان اليوم شرعيّته موضع سؤال.

ما يبقى دون حسم

الأسئلة المفتوحة ليست بلاغية.

هل يصمد هذا الخطّ؟ نال «العقد المدني» 49.89 في المئة في 7 حزيران 2026 و64 مقعداً من 105، أي أغلبيةً حاكمة لكن دون الثلثين اللازمين لإطلاق استفتاء دستوري. البرنامج الذي يقوم عليه كلّ ما سبق يفترض دستوراً جديداً لا يملك أصحابه أصوات تمريره وحدهم.

وهل يُوقَّع اتّفاق السلام أصلاً؟ ما زال منذ آب 2025 مُوقَّعاً بالأحرف الأولى لا أكثر. وإن لم يُوقَّع، تبقى الدعاوى قائمة، ويبقى الخلاف حولها نظرياً.

ويبقى السؤال الذي لا يملك أيّ طرف إجابةً عنه: هل قوّى جدول أعمال الشتات موقع أرمينيا خلال قرن، أم ضيّق خياراتها؟ يؤكّد كلّ فريق أحد الجوابين بثقة، ولا يملك أيّهما ما يثبته. ما يمكن قوله بيقين هو أنّ الطرفين، للمرّة الأولى منذ 1991، لم يعودا يتظاهران بأنّ لهما جدول أعمال واحداً.

وصلت إلى هنا من فيسبوك أو إنستغرام؟

«خبر أرمني» يتابع أرمينيا والشتات منذ عام 2006. تصلك نشرتنا كل يوم جمعة بأهم ما جرى خلال الأسبوع.