خبر أرمني الـعـالم بألوان أرمـنـية

الأربعين شهيدًا: أقدم كنيسة أرمنية في العالم العربي

أُنجز بناؤها عام 1491 لتحلّ محل مصلّى صغير في مقبرة، وصارت مقرّ أبرشية ومحطة لحجّاج الأرمن إلى القدس. تضرّرت في 2015 وأُعيد تكريسها في 2019، وما زالت في مكانها.

فناء مجمّع كاتدرائية الأربعين شهيدًا في حيّ الجديدة بحلب.
فناء مجمّع كاتدرائية الأربعين شهيدًا في حيّ الجديدة بحلب.

في عام 1625 وقف الرحّالة الإيطالي بيترو ديلا فالي في فناء واحد في حلب، ووصف ما رآه: أربع كنائس متلاصقة، تتشارك ساحة واحدة وبابًا واحدًا. كانت الكنائس أرمنيتين وواحدة للروم الأرثوذكس وواحدة للموارنة، في حيّ الجديدة الذي كان لا يزال جديدًا وقتها. الكنائس الأربع ما زالت قائمة في المكان نفسه. إحداها، كنيسة الأربعين شهيدًا، أُنجز بناؤها الحالي عام 1491، وهي أقدم كنيسة أرمنية عاملة في العالم العربي.

ما قبل 1491

كان الوجود الأرمني في حلب أقدم من الكنيسة بكثير. تشير المصادر إلى استقرار عائلات وتجار أرمن في المدينة منذ القرن الحادي عشر، في زمن مملكة كيليكيا الأرمنية، وإلى تشكّل جماعة منظّمة لها مدارسها وكنائسها ومطرانيتها في القرن الرابع عشر.

في فناء الكنيسة نفسه كانت تقوم كنيسة أقدم، كنيسة والدة الله، بُنيت قبل عام 1429. وكانت الأربعين شهيدًا قبل 1491 كنيسة صغيرة في مقبرة المسيحيين القديمة في الجديدة.

أقدم ذكر مكتوب للكنيسة يعود إلى عام 1476، في نصّ كتبه الأب مليكسيت في حلب. تجدر الإشارة إلى أن هذه المعلومة تتكرّر بالصيغة نفسها في كل المصادر تقريبًا، ما يرجّح أنها تعود جميعًا إلى مرجع واحد لم يُراجع أصله.

1491

أُنجز البناء الحالي عام 1491 ليحلّ محل المصلّى الصغير. سُمّي على الأربعين شهيدًا في سيواس، وهم جنود رومان استُشهدوا قرب المدينة في أرمينيا الصغرى، ويكرّمهم المسيحيون في تقاليد مختلفة.

كان المبنى صغيرًا: مئة مقعد. وهو بازيليك بثلاثة أروقة بلا قبة — شكل بسيط ومنخفض، يختلف عن كنائس أرمينيا الحجرية المقبّبة.

التوسيع: 1500، 1579، 1616

بين 1499 و1500 وُسّعت الكنيسة توسيعًا كبيرًا، وبُني في فنائها مبنى مطرانية أبرشية بيريا، بتمويل من وجيه أرمني تسمّيه المصادر «رئيس بارون يسائي».

حتى عام 1579 كانت شواهد المقبرة الأرمنية تحيط بالكنيسة. في تلك السنة نُقلت المقبرة، ولم يبقَ الدفن في الفناء إلا لرجال الدين ووجهاء الجماعة.

في 1616 رُمّمت الكنيسة بتبرّع من خوجا بيديك جلبي وبإشراف أخيه خوجا سانوس جلبي، وأُعيد افتتاحها في السنة نفسها بحضور الكاثوليكوس هوفهانيس الرابع العينتابي. في السنة ذاتها كان الرحّالة الأرمني سيمون اللهستاسي (سيمون البولندي) في حلب، وترك وصفًا للجماعة الأرمنية وتجّارها.

الهوكيدون

عام 1624 بنت المطرانية حيًّا ملاصقًا للكنيسة عُرف باسمه الأرمني «هوكيدون» — بيت الروح. كان نُزلًا فيه 23 غرفة كبيرة للحجّاج الأرمن في طريقهم إلى القدس، بتبرّع من خوجا غاريبجان. الاسم ما زال مستعملًا.

هذه التفصيلة تشرح موقع حلب في الخريطة الأرمنية: لم تكن وجهة فحسب، بل محطة على طريق الحجّ من أرمينيا الغربية إلى القدس، وكانت الكنيسة تُطعم النُزلاء وتؤويهم.

الأيقونات

تضمّ الكنيسة أكثر من ثلاثين أيقونة، بعضها من القرنين السابع عشر والثامن عشر. أقدمها المؤرَّخ هو «والدة الله» على قماش (96×118 سم) من عام 1663 بريشة الأب مكرديتش. وهناك لوحات على خشب لكيفورك أنانيا بين 1720 و1756.

أشهرها لوحة «الدينونة الأخيرة»، على قماش بمقاس 400×600 سم، مؤرَّخة 1703، وتُنسب إلى نعمة الله يوسف، وتُعدّ من أعمال ما يسمّيه الباحثون مدرسة حلب في التصوير. تتفاوت كتابة اسم الرسّام بين المصادر، وهي مسألة تخصّ تاريخ الفنّ في حلب أكثر مما تخصّ الكنيسة وحدها.

رُمّمت غالبية الأيقونات بين 1993 و1996 على يد المرمّم الأرمني أندرانيك أنتونيان، بمبادرة من المطران سورين كاتاروبان.

البرج

بقيت الكنيسة بلا برج أجراس حتى 1912. في تلك السنة أُقيم البرج بتبرّع من رزق الله طحّان، وهو أرمني سوري كان مقيمًا في البرازيل. يُوصف البرج بأنه من نماذج الباروك القليلة في حلب.

الطابق العلوي أُضيف عام 1874، وجرن المعمودية وُضع عام 1888. وفي 28 مايو 1991 وُضع في الفناء خاتشكار تذكاري لضحايا الإبادة، بتبرّع من الأخوين كليجيان.

نيسان 2015

في أبريل 2015 أُصيبت الكنيسة إصابة بالغة خلال معركة حلب، حين كان حيّ الجديدة على خطّ التماس.

ما جرى بالضبط تختلف عليه المصادر اختلافًا يستحقّ التسجيل. التاريخ نفسه يُذكر مرة 26 أبريل ومرة 28 أبريل. وفي طبيعة الهجوم، نقلت «آرمينيان ويكلي» أن بعض المصادر تحدثت عن متفجّرات وُضعت تحت الكنيسة عبر أنفاق، وبعضها عن قصف مدفعي. وفي حجم الدمار، ذكرت روايات أن الكنيسة والبرج نجَوا وأن الضرر أصاب الفناء والمباني المحيطة، بينما نقلت وكالات أخرى عن مهندس سوري أرمني مشرف على الترميم أن نحو 70% من المبنى صار أنقاضًا.

وفي نسبة الهجوم، تختلف المصادر أيضًا: بعضها ينسبه إلى «جبهة النصرة»، وبعضها إلى «الدولة الإسلامية»، وبعضها يكتفي بـ«مسلحين». يُلاحظ أن كثيرًا من التفاصيل المتداولة مصدرها وكالات رسمية سورية أو روسية، وهو ما يستدعي التحفّظ المعتاد. الرواية الأدقّ التي يمكن الاطمئنان إليها هي أن الضرر كان جسيمًا وأن سببه المباشر غير محسوم.

2019

بدأت أعمال الترميم بعد خروج الفصائل المسلحة من المدينة في ديسمبر 2016، وأُعلن عنها في يوليو 2017. مُوّلت بتبرعات من الجماعة الأرمنية في حلب. أُعيد جمع الحجارة القديمة الباقية وإعادة تركيبها.

في 30 مارس 2019 أعاد الكاثوليكوس آرام الأول تكريس الكنيسة، وفي 31 مارس — وهو عيد الأربعين شهيدًا — أُقيم فيها أول قداس منذ سنوات.

ما يمكن رؤيته اليوم

الكنيسة عاملة. المجمّع يضمّ إلى جانبها كنيسة والدة الله القديمة (ما قبل 1429)، التي تحوّلت إلى مكتبة في أوائل القرن العشرين ثم إلى متحف عام 1991 باسم «خزينة زاريهيان»، نسبةً إلى الكاثوليكوس زاريه الأول الذي كان مطرانًا لحلب قبل انتخابه. ويضمّ المجمّع مدرسة هايكازيان، وقاعة مسرح، وفرعًا لجمعية هامازكاين الثقافية.

أما الجماعة التي بنت هذا كله فتقلّصت. تُقدَّر أعداد الأرمن في حلب قبل 2011 بما بين 60 و70 ألفًا، وتتفاوت التقديرات الحالية تفاوتًا كبيرًا: يقدّر مسؤولون في الجماعة الباقين في المدينة بنحو 20 إلى 25 ألفًا، بينما تعطي جهات أخرى أرقامًا أقلّ لسوريا كلها. الأرقام تقديرات لا إحصاءات، ولا يوجد تعداد رسمي يمكن الاستناد إليه.

الكنيسة أقدم من كل هذه الأرقام. وهي، بعد خمسة قرون وثلاث ترميمات كبرى وحرب، ما زالت في مكانها في الجديدة.

وصلت إلى هنا من فيسبوك أو إنستغرام؟

«خبر أرمني» يتابع أرمينيا والشتات منذ عام 2006. تصلك نشرتنا كل يوم جمعة بأهم ما جرى خلال الأسبوع.