كوميتاس: الكاهن الذي كتب أغاني القرى
دوّن كوميتاس أكثر من 3000 قطعة من الموسيقى الشعبية الأرمنية، وضاع أكثر من نصفها. نجا من اعتقال 24 نيسان 1915، وأمضى تسعة عشر عامًا في المصحّات، ولم يؤلّف بعدها شيئًا.
في صورة التُقطت في الإسكندرية عام 1911، يقف نحو مئتي مغنٍّ في صفوف مرتّبة، وفي وسطهم رجل في ثوب كهنوتي أسود. الجوقة تشكّلت قبل أسابيع فقط، من أبناء الجالية الأرمنية في مصر. الرجل في الوسط كان قد وصل من القسطنطينية في ربيع تلك السنة، وأمضى نحو ثلاثة أشهر في جولة بين الإسكندرية والقاهرة يدرّب ويقود. اسمه كوميتاس. بعد أربع سنوات من هذه الصورة سيُعتقل في القسطنطينية، ولن يعود إلى العمل أبدًا.
طفل من كوتاهية لا يعرف الأرمنية
وُلد سوغومون سوغومونيان في كوتاهية غرب الأناضول في 26 سبتمبر 1869 بالتقويم القديم (8 أكتوبر بالتقويم الجديد). كانت عائلته أرمنية لكنها لا تتكلم سوى التركية. تختلف المصادر في مهنة أبيه — إسكافي في رواية، تاجر في أخرى — وتتفق على أن الأسرة كانت موسيقية وأن الطفولة كانت قاسية. ماتت أمه وهو دون العام، ومات أبوه وهو في العاشرة أو الحادية عشرة، فربّته جدّته.
في خريف 1881 جاء أسقف أرمني من كوتاهية مكلَّفًا بأن يحمل معه إلى إتشميادزين صبيًّا يتيمًا حسن الصوت للدراسة في مدرسة كِفوركيان اللاهوتية. اختير سوغومون من بين نحو عشرين مرشحًا. قُدّم إلى الكاثوليكوس كِفورك الرابع، الذي خاب ظنه لأن الصبي لا يعرف الأرمنية، لكنه أُعجب بصوته إلى حدّ أنه صار يستدعيه ليغنّي للزوار.
الفاردابيد الذي يكتب النوطة
في سنته الأولى بالمدرسة تعلّم نظام التدوين الأرمني المعروف بالخاز. وبدأ يخرج إلى القرى المحيطة بإتشميادزين ليكتب ما يسمعه من الفلاحين. أطلق عليه القرويون لقبًا بقي ملازمًا له: «نوتاجي فاردابيد» — الكاهن الذي يكتب النوطة.
تخرّج عام 1893، ورُسم راهبًا عام 1894 فأخذ اسم كوميتاس نسبةً إلى كاثوليكوس وشاعر من القرن السابع، ثم رُسم فاردابيد في فبراير 1895. في السنة نفسها أنهى أول مجموعة له من الأغاني المدوّنة، «أغاني آكن»، وفيها 25 قطعة من أغاني الحب والعرس والمهد والرقص. لم يستقبل بعض رجال الدين المحافظين هذا العمل بارتياح؛ سخروا منه ووصفوه بـ«الكاهن الذي يغنّي الحب»، وانتشرت شائعات عن سوء سلوك. هذه الخصومة داخل إتشميادزين هي أحد أسباب رحيله لاحقًا.
برلين
في 1896 سافر إلى برلين على نفقة رجل الأعمال ألكسندر مانتاشيف، الذي دفع 1800 روبل لثلاث سنوات دراسة بطلب من الكاثوليكوس مكرتيتش خريميان. درس في جامعة فريدريش فيلهلم مع أساتذة منهم هاينريش بيلرمان وماكس فريدلندر وأوسكار فلايشر، وصار عضوًا في الفرع البرليني للجمعية الموسيقية الدولية، وحاضر فيها عن الموسيقى الشعبية الأرمنية. عاد إلى إتشميادزين في سبتمبر 1899.
ثلاثة آلاف أغنية — والرقم يحتاج إلى تحفّظ
الرقم الأكثر تداولًا هو أن كوميتاس جمع ودوّن أكثر من 3000 قطعة من الموسيقى الأرمنية، وأن أكثر من نصفها ضاع، وأن نحو 1200 فقط باقية اليوم. هذا الرقم يتكرر في المراجع الأكاديمية والموسوعية، لكنه تقدير لا إحصاء: ما ضاع لا يمكن عدّه بدقة، والرقم الأصلي نفسه مأخوذ من تقديرات لاحقة لا من جرد أعدّه كوميتاس.
في خريف 1903، بعد ثلاث سنوات من الجمع، نشر مجموعة من 50 أغنية بعنوان «ألف أغنية وأغنية»، بمساعدة مانوك أبيغيان، وأعاد نشرها 1904 وأضاف 50 أخرى في 1905. في السنة نفسها، 1903، نشر «ألحان كردية» — وهي بحسب المراجع أول مجموعة مطبوعة من الأغاني الشعبية الكردية. عمل كذلك سنوات على فكّ رموز الخاز، تدوين الموسيقى الكنسية الأرمنية في العصر الوسيط.
القسطنطينية، ثم الجولات
انتقل إلى القسطنطينية عام 1910. تذكر المصادر سببين: الرغبة في جمهور أوسع، والضيق من رجال الدين المحافظين في إتشميادزين. هناك أسّس جوقة «كوسان» (هاي كوسان منذ 1912)، ودرّس الموسيقى لطلاب صاروا بدورهم موسيقيين، منهم بارسيغ كاناتشيان وميهران توماجان وفاغارشاك سرفانتستيان. ونظّم جوقات أرمنية في إزمير والإسكندرية والقاهرة، وقدّم محاضرات وحفلات في باريس وبرلين ولندن وزيوريخ وجنيف.
تُروى عن حفل باريس حكاية شهيرة: أن كلود ديبوسي انحنى أمامه، أو ركع وقبّل يده، وقال إنه عبقري. الرواية متداولة في مصادر كثيرة بصيغ مختلفة وبتواريخ مختلفة (1906 في أغلبها)، ولا يوجد لها مصدر معاصر موثّق واحد يمكن الاستناد إليه. تُروى هنا بوصفها ما هي عليه: حكاية متوارثة، لا وثيقة.
24 نيسان 1915
اعتُقل كوميتاس في بيته ليلة 24 أبريل 1915، ضمن حملة اعتقال الوجهاء والمثقفين الأرمن في القسطنطينية. تختلف الأرقام: تذكر مصادر أنه وُضع في اليوم التالي على قطار مع 180 آخرين، وتذكر أخرى أنه كان بين 291 شخصية، وتتحدث ثالثة عن نحو 800 معتقل في الحملة كلها. الوجهة كانت تشانكيري في وسط الأناضول، على نحو 480 كيلومترًا من العاصمة.
كتب الأسقف كريكوريس بالاكيان، الذي كان في العربة نفسها، أن كوميتاس بدا مضطربًا خلال الرحلة، يحسب الأشجار قطّاع طرق، ويخبّئ رأسه تحت طرف معطف بالاكيان، ويطلب منه أن يصلّي عليه.
تدخّل لدى الحكومة كلٌّ من الشاعر التركي محمد أمين يوردَقول والكاتبة خالدة أديب والسفير الأميركي هنري مورغنثاو، وبأمر خاص من طلعت باشا أُعيد كوميتاس إلى العاصمة مع ثمانية آخرين. أمضى في المنفى نحو سبعة أسابيع.
ماذا أصابه؟
الرواية الشائعة تختصر ما تلا ذلك في جملة: «جُنّ بعد 1915». الأدبيات الحديثة أقل ثقة بهذه الجملة.
في خريف 1916 نُقل إلى مستشفى في القسطنطينية، ثم إلى باريس عام 1919، حيث أمضى بقية حياته في مصحّات، آخرها فيلجويف. توفي في 22 أكتوبر 1935 (تعطي بعض الفهارس 21 أكتوبر). درست ريتا سولاهيان كويومجيان في «أركيولوجيا الجنون» (2001) طفولته باعتبارها مصدر هشاشة سابقة على 1915. وعارضت ملين كاراكاشيان هذه القراءة في كتاب صدر بالأرمنية في أنطلياس عام 2011 وبالإنكليزية عام 2014، ورأت أن ما ظهر عليه كان استجابة لصدمة — ما يسمّى اليوم اضطراب ما بعد الصدمة — لا مرضًا ذهانيًا، وأن غضبه وصمته قُرئا في حينه على أنهما أعراض جنون. وتنقل كاراكاشيان عن الطبيب النفسي الذي عرفه ثلاثة عشر عامًا في باريس قوله إنه لا يتذكر التشخيص الذي أُعطي له. التشخيصات، بحسب المصادر التي جمعتها، تغيّرت بتغيّر الظروف. «غير معروف» هو الجواب الأمين هنا.
ما ضاع وما بقي
ضاع أكثر من نصف ما جمعه. اختفت أبحاثه في الخاز. بقيت مشاريع كثيرة غير منجزة، وما زال مصير مخطوطات عديدة مجهولًا.
نُقل رماده إلى يريفان عام 1936 ودُفن في المقبرة التي حملت اسمه لاحقًا. ونُقلت مخطوطاته من باريس إلى يريفان في الخمسينيات. طُبع «القداس» في باريس عام 1933. أُدرجت مجموعة أعماله في سجل «ذاكرة العالم» لدى اليونسكو. وافتُتح متحف-معهد كوميتاس في يريفان في 29 يناير 2015، بثماني قاعات عرض دائمة ومركز أبحاث ودار نشر. وبقيت تسجيلات صوتية أُنجزت بين 1908 و1912، فيها صوته هو، غناءً وعزفًا على البيانو، إلى جانب صوت أرمناك شاهمورادیان.
الخيط البيروتي
أحد تلاميذه في القسطنطينية، بارسيغ كاناتشيان، حمل طريقة كوميتاس إلى العالم العربي. جال بين حلب ومصر وقبرص في العشرينيات، واستقر في بيروت عام 1932 يدرّس في الجمران، وأسّس عام 1933 جوقة «كوسان» — بالاسم نفسه الذي أطلقه أستاذه في القسطنطينية — وقادها حتى 1961، وقدّمت حفلات في مدن لبنانية وسورية وفي مصر. وضع التوزيع الموسيقي للنشيد الوطني الأرمني، وأعدّ توزيعات للنشيدين اللبناني والسوري عام 1936، ووزّع أغاني شعبية أرمنية وعربية. مُنح وسام الأرز الوطني عام 1957. فقد بصره عام 1945 واستمرت جوقته. توفي في بيروت عام 1967 — في 21 مايو بحسب مصادر، وفي 24 مايو بحسب أخرى. ويحمل معهد للفنون تابع لـ«هامازكاين» في لبنان اسمه.
وصلت إلى هنا من فيسبوك أو إنستغرام؟
«خبر أرمني» يتابع أرمينيا والشتات منذ عام 2006. تصلك نشرتنا كل يوم جمعة بأهم ما جرى خلال الأسبوع.