الموقف السوري من الإبادة الجماعية الأرمنية

الموقف السوري من الإبادة الجماعية الأرمنية

اتسمت العلاقات السورية التركية وبشكل شبه دائم بتوتر من نوع ما كا يسود الأجواء الرسمية بين البلدين، فسوريا عانت الويلات من الحكم العثماني الذي اعاد البلاد قرونا إلى الوراء.. وإن كانت أرمينيا قد ارتكب بحق أبنائها إبادة جماعية منظمة إلا أن السوريين لم يكونوا أقل تضررا من البطش العثماني، وساحات دمشق وبيروت شاهدة على ذلك.

تعتبر سوريا بآراضيها التي تمتد على مساحة تزيد عن الـ 185 كلم٢ إحدى المسارح الرئيسية التي قام العثمانيون الأتراك فيها بارتكاب أفظع الجرائم بحق أرمن الإمبراطورية العثمانية بعد تهجيرهم إلى صحراء دير الزور بعيدا عن أعين الدبلوماسيين الغربيين المعتمدين في القسطنطينية وبالتالي كان السوريون من أوائل شهود العيان لما حل بالأرمن في حقبة الإبادة الجماعية الأرمينة.

اليوم سوريا ليست ضمن قائمة المعترفين رسميا بالإبادة الجماعية الأرمنية (ولكنها أيضا ليست ضمن قائمة الناكرين رسميا لهذه الإبادة) بالرغم من أن الشعب السوري تعاطف (ويتعاطف) مع الشعب الأرمني والقضية الأرمنية إلى أبعد الحدود، كما أن السوريين يعود لهم الفضل في حماية عشرات الألاف من الأرمن الذين لجأوا إلى حلب ودمشق وكسب وغيرها من مدن وبلدات سوريا خلال وبعد الحرب العالمية الأولى. ويقال أنه لولا حماية السوريين للأرمن لما كان ثمة أي أهمة للشتات الأرمني بقوته الحالية. ذلك أن هذا الشتات معظمه حط أولا على أراضي سوريا ولبنان.

قبل إندلاع الأحداث الجارية في سوريا كان الحديث عن الإبادة الجماعية الأرمنية شبه ممنوع من قبل الساسة السوريين رغم العلاقات الطيبة التي لطالما كانت تربط دمشق بيريفان وربما المسؤول السوري الوحيد الذي ادلى بتصيحات قوية تجاه القضية الأرمنية كان رئيس مجلس الشعب في حينه عبد القادر قدورة سنة 2001 حين زار أرمينيا وسجل كلمة في سجل زوار متحف الإبادة الجماعية الأرمنية قال فيها: “ونحن نزور هذا النصب ومتحف الإبادة التي تعرض لها الأرمن سنة 1915 نقف باعجاب وإحترام كامل أمام هؤلاء الأبطال الذين استطاعوا مواجهة الموت بشجاعة وبطولة قل نظيرهما”.

وبعد ذلك بسنوات قليلة يبدأ شهر العسل السوري-التركي، ورغم وصول العلاقات الثنائية مع أنقرة إلى درحة “التحالف” تقريبا إلا أن ساسة سوريا وعلى رأسهم الرئيس الأسد لم يقطعوا العلاقات مع أرمينيا بل عملوا على تطويرها بشكل أكبر في حكمة سياسية تسجل أيضا للرئيس السوري بشار الأسد الذي نصح كاثوليكوس الأرمن لبيت كيليكيا آرام الأول كيشيشيان سنة 2009 بضرورة أن تفتح أرمينيا هي الأخرى صفحة جديدة مع تركيا.

وأثناء زيارته الرسمية إلى أرمينيا سنة 2009 ورغم أن معظم ساسة العالم يستهلون مباحثاتهم مع المسؤولين الأرمن في يريفان بزيارة إلى نصب شهداء الإبادة الأرمنية وهو عرف دبلوماسي دأبت أرمينيا على اتباعه مع ضيوفها من قادة العالم، إلا أنه تم الموافقة على استثناء بشار الأسد عن هذه القاعدة – ربما – بسبب العلاقات الأستراتيجية التي كانت تربط دمشق وأنقرة في حينه.. إلا أن الأسد كان قد عرض على القادة الأرمن الوساطة من أجل حل هذا الخلاف التاريخي بين الشعبين الأرمني والتركي ويقال أن هذا المقترح كان إحدى أسباب زيارته لأرمينيا.

تمر سنوات قليلة وتبدأ في سوريا أحداث مآساوية ما تزال مستمرة حتى ساعة كتابة هذه السطور، وفي مقابلة أجرته معه الوكالة الفرنسية للأنباء قبل أشهر يتطرق الرئيس السوري بشار الأسد إلى عمليات الإبادة الجماعية التي تعرض لها أرمن الأناضول مطلع القرن الماضي في إشارة كانت الأولى من نوعها لرئيس سوري مسميا الأمور بأسمائها ومعلنا عن اسم الجناة بصراحة..

كلمات الرئيس السوري وقتها جاءت في معرض كلامه عن ما يحدث في بلاده من مجازر يرتكبها الأرهابيون بحق المدنيين، فقال: “إن مستوى الوحشية واللاإنسانية التي وصل إليها الإرهابيون، الذي يذكرنا بما كنا نسمعه عن العصور الوسطى التي مرت بها أوربا منذ أكثر من خمسة قرون.. ويذكرنا في العصر الحديث بالمجازر التي قام بها العثمانيون ضد الأرمن، عندما قتلوا مليوناً ونصف مليون أرمني ونصف مليون من السريان الأرثوذكس في سورية وفي الأراضي التركية”

وبعد أيام قليلة من كلام الرئيس السوري يظهر ممثل بلاده الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري أمام الصحفيين في الأمم المتحدة ليدلي بتصريح مماثل قائلا: “وماذا عن الإبادة الجماعية الأرمنية التي قتل فيها 1.5 مليون شخص”.

الرئيس السوري بشار الأسد تأخر أكثر من 10 سنوات ليدرك أن التركي ما زال عثمانيا وليدلي بتصريح مماثل لما سجله عبد القادر قدورة عن مآساة الأرمن سنة 2001.. ورغم أن الأغلبية تعتبر تصريحات الأسد سببها فقط الرد على تركيا إلا أن الحقيقة تقول أن عائلة الأسد تعترف رسميا بالإبادة الجماعية الأرمنية وهو ما بدا واضحا حين قرر الأسد الأب زيارة نصب شهداء الإبادة الجماعية الأرمنية أثناء زيارة قصيرة أصر على القيام بها على هامش زيارته للاتحاد السوفيتي آنذاك، سنة 1971.

واليوم تتعالى الأصوات الأرمنية في سوريا والخارج للمطالبة باعتراف رسمي من قبل سوريا بالإبادة الجماعية الأرمنية.. ليس استغلالا للعلاقات المتوترة بين دمشق وأنقرة حاليا، ولا تدخلا في الشأن الداخلي السوري، بل لأن سوريا التي كانت أراضيها مسرحا لإجرام العثمانيين ليس فقط بحق الأرمن بل بحق الإنسانية جمعاء .. تستحق أن تكون في طليعة الدول المدافعة عن الشعوب والأمم التي تضررت من بطش العثمانيين.

برلمان جمهورية أرمينيا كان قد عقد جلسة خاصة في 24 مارس/آذار 2015 للمناقشة والتصويت على مشروع قرار يدين عمليات الإبادة الجماعية التي تعرض لها أبناء القوميتين الأشورية واليونانية مطلع القرن الماضي على أيدي السلطات العثمانية أسوا بما تعرض له الأرمن أيضا.. أرمينيا تبنت القرار بأغلبية أعضائها حيث وافق عليها جميع الأعضاء ممن حضروا جلسة اليوم (حضرها 117 نائب من أصل 131)..

أرمينيا رسميا وقبل شهر فقط من ذكرى مئوية الإبادة الجماعية الأرمنية تقولها علنا: “الأتراك أبدوا الأشوريين أيضا”.. ولكن من هم الأشوريون؟ أليسوا السكان الأصليين لمناطق شاسعة من سوريا والعراق؟ إذا بمعنى أدق فإن أرمينيا اعترفت رسميا بتعرض جزء من السوريين ممن هم احفاد امبراطوية كبيرة بحجم الامبراطورية الأشورية لإبادة جماعية على أيدي السلطات العثمانية.. فهل تعترف سوريا رسميا بالإبادة الجماعية الأرمنية؟.



Top