الفرق بين الإبادة الأرمنية وجرائم القتل العشوائية التي تعرضت لها الأقليات المسيحية العربية؟

الفرق بين الإبادة الأرمنية وجرائم القتل العشوائية التي تعرضت لها الأقليات المسيحية العربية؟

بين الحين والأخر يطرح السؤال حول العلامات الفارقة ما بين عمليات الإبادة الجماعية التي تعرض لها أرمن الأناضول مطلع القرن الماضي على أيدي السلطات العثمانية وبين عمليات القتل العشوائية التي قضت على جزء من الأقليات المسيحية العربية في الشمال السوري وبعض مناطق الكثافة السكانية المسيحية العربية في جنوب الكيان التركي الحالي. وهذا الفارق بقدر ما هو بسيط بقدر ما هو عميق، وفيما يلي التفاصيل:

ما تعرض له الأرمن يعتبر جريمة إبادة جماعية وينطبق عليها تعريف كلمة إبادة Genocide التي أوجدها القانوني اليهودي رافائيل ليمكين والذي، في لقاء خاص معه في الأمم المتحدة، قالها صراحة أن سبب إختراع هذه الكلمة هو ما تعرض له الأرمن على أيدي السلطات العثمانية سنة 1915.

تعريف كلمة إبادة؟ الإبادة الجماعية هي سلسلة من عمليات القتل المنظمة والممنهجة والمخطط لها مسبقا ضد جماعية عرقية أو دينية معينة بهدف إنهاء وجود هذه الجماعية (بصفة جماعة) والتخلص منها للأبد.

وبالعودة إلى الأوامر التي صدرت من السلطات العثمانية والتصريحات والوثائق المسربة قبل وأثناء عمليات القتل نجد أن جميعها ومن دون استثناء تحدد فقط الأرمن كهدف رئيسي لعمليات القتل هذه. ولا توجد أي أوامر صادرة من الباشاوات والسلطات المتعاقبة بحق أي من الأقليات العربية المسيحية وإن كانت هذه الأقليات هي الأخرى عانت الأمرين على أيدي السلطات آنذاك ضمن جرائم عشوائية فردية لم ترقى لمستوى إبادة.

البعثات الدبلوماسية بدورها نقلت إلى سلطات بلدانها في الخارج أنباء عن ما تعرض له الأرمن تحديدا على أيدي السلطات العثمانية. بل إن بعض أفراد هذه البعثات خاطروا بحياتهم من أجل تهريب وثائق وصور الضحايا الأرمن ليؤلفون بها لاحقا أولى الكتب التي سردت فظاعة ما حدث.

السفير الأمريكي في القسطنطينية وقتها، هينري مورغنطاو، ألف كتاب بعنوان “قتل أمة” ليتحدث خصيصا عن ما تعرض له الأرمن.. أما الضابط الألماني آرمين فاغنير فكان له الفضل في تهريب أولى صور الضحايا الأرمن إلى ألمانيا ليؤلف هو الأخر بها كتابا حمل عنوان “رسالة مفتوحة للرئيس ويلسون” التي وجهها للرئيس الأمريكي وقتها طالبا منه التدخل لإقاف ما يتعرض له الأرمن من فظاعات على أيدي السلطات العثمانية.

حتى تركيا ذاتها سنة 1919، وتحديدا بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط حكومة الاتحاد والترقي، كانت قد أدانت ما تعرض له الأرمن وقامت السلطات التركية الجديدة وقتها بمحاكمة أعضاء الحكومة السابقة غيابيا (لأن معظمهم كانوا قد هربوا) بارتكابهم جرائم حرب ومجازر بحق الأرمن.

عصبة الأمم المتحدة بدورها سنة 1916، قبل 33 عاما من تبني الاتفاق الخاص بمنع جرائم التطهير العرقي وإدانتها، أصدرت بيان وقتها اعتبرت فيه أن ما يتعرض له أرمن الأناضول من قبل العثمانين هو جريمة ضد الإنسانية (حيث لم تكن كلمة إبادة قد أخترعت بعد لوصفها به).

وبالطبع جميع هذه الشخصيات والهيئات كانت تعلم جيدا أن الأرمن ليسوا الوحيدين ممن يعانون من بطش العثمانيين.. وأن بعض الأقليات المسيحية العربية وغير العربية (بل وأيضا بعض الأقليات الإسلامية) ستذهب ضحية الخطة المنهجية الشيطانية التي حيكت بحق الأرمن.. ولكنهم كانوا جميعا مدركين أن المستهدف الأول بهدف إنهاء وجودهم كانوا الأرمن وفقط الأرمن.. وأنهم لو استطاعوا إيقاف الإبادة المنظمة بحق الأرمن فإن عيش بقية الأقليات المسيحية العربية والإسلامية بسلام سوف يكون تحصيل حاصل.

ما بعد الإبادة:

يرى خبراء سياسيون أيضا أن أكبر دليل على فظاعة ما تعرض له الأرمن وعلى أنه كان موجها ضدهم تحديدا هو رد فعل هؤلاء الأرمن بعد إنتهاء عمليات الإبادة.

وفي التفاصيل نجد أن الأرمن ناضلوا بشراسة وعلى مدى قرن من الزمن لتعريف العالم بمصابهم، ونضالهم في بعض الأحيان كان مسلحا أيضا حيث كانوا الوحيدين الذين قاموا بالثأر من الجزار عبر اغتيالات وتصفيات طالت 80 من كبار الشخصيات السياسية والعسكرية العثمانية التي سنت القوانين والأوامر لقتل الأرمن. هذه الشخصيات كانت قد تركت تركيا وهربت إلى أوروبا بعد أن تغيرت الحكومة في القسطنطينية، إلا أن الأرمن كانوا لهم بالمرصاد وأشهر من قتل من حثالات البشر على أيدي أبطال الأرمن نذكر: طلعت باشا، أنور باشا، وجمال باشا، بهاء الدين شاكير، عزمي باشا.. وغيرهم كثر.

أيضا قامت الجماعات الأرمنية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بأكثر من 250 عملية انتحارية في مختلف بقاع العالم ضد شخصيات وأهداف تركية (هيئات، دبلواسيون، وسفارت) للفت انتباه الرأي العام العالمي لقضيتهم.. وللأسف لا توجد عملية واحدة قام بها أي يوناني أو عربي مسيحي ضد أي هدف تركي أو عثماني ما يجعل مراقبون يتساءلون هل فعلا تعرضت تلك الجماعات لإبادة أم أنهم فقط يتسلقون على الإنجازات التي حققها الأرمن بإيصال قضيتهم للمحافل الدولية وإبقائها حية حتى بعد قرن من الزمن.

الإعترافات الرسمية:

حتى لحظة كتابة هذه السطور هنالك 31 دولة في العالم قد اعترفت رسميا بالإبادة بالجماعية الأرمنية.. من بين هذه الدول ثمة فقط 3 دول اعتبرت ما تعرضت له الأقليات المسيحية العربية واليونانية أيضا إبادة.. وهذه الدول الثلاث هي: السويد (2010) أرمينيا (2015) وهولندا (2016).

أما عن سبب اعتراف أرمينيا بتعرض الأقليات المسيحية أيضا لإبادة سنة 1915 فجاء ذلك عشية مئوية الإبادة الجماعية الأرمنية وتحديدا يوم 24 مارس/آذار 2015 حين صوت البرلمان الأرمني بالإجماع على مشروع قانون يعتبر ما تعرضت له الأقليات المسيحية العربية (والتي أطلقوا عليها تسمية الأشوريين ضمن مشروع القانون) وما تعرض له اليونانيين البونطيك على أيدي السلطات العثمانية أيضا إبادة جماعية.. ويرى مراقبون أن أرمينيا قامت بهذه الخطوة لتحميل تركيا جرائم إضافة في محاولة منها للضغط على أنقرة والمجتمع الدولي لجني المزيد من الإعترافات.

وبالفعل بعد إعتراف أرمينيا بالإبادة اليونانية وما اعتبرتها “إبادة” تعرضت لها الأقليات المسيحية العربية أصبحت جميع الدول التي تعترف بالإبادة الأرمينة بعد سنة 2015 تذكر أيضا ما تعرضت له الأقليات المسيحية العربية وإن كانت معظم هذه الدول لا تستخدم كلمة إبادة لوصف تلك العلميات وتحصر إستخدام كلمة إبادة فقط لوصف ما تعرض له الأرمن ضمن مشاريع قوانينيهم التي يشرعونها.

أخيرا لابد من التنويه أننا هنا – في موقع خبر أرمني – لا نقلل قط من فظاعة ما تعرض له الأخوة أبناء الأقليات المسيحية العربية ولا حتى ما تعرض له اليونانيون الأشقاء من فظاعات.. ولكننا فقط نحاول سرد التفاصيل حول الفروقات بين ما تعرض له الأرمن وما تعرض له غير الأرمن. ولم نتطرق إلى الأرقام لأنه لا توجد أي إحصائيات دقيقة حول الضحايا من العرب المسيحيين وإن كان معظم الدارسين والمختصين الدوليين يضعون الرقم ما بين 200 – 350 ألفا وقرابة 500 ألف من اليونانيين. ولكن أيا كانت الأرقام (حتى لو وصلت لعشرات الملايين) فهذا لا يغير من حقيقة أن محاولة الإفناء والتطهير العرقي (الـ GENOCIDE) كانت بحق الأرمن (فقط الأرمن). لماذا؟ لأننا كنا العائق الوحيد في طريق الأحلام الطورانية العثمانية التي كانت تسعى لبناء دولة جديدة تمتد من الأناضول إلى أواسط أسيا لتضم معظم الشعوب الناطقة بالتركية.

فشل الأتراك في إبادة الأرمن وبفشلهم فشل مشروعهم الطوراني الذي نجاحه كان سيجعل من تركيا اليوم كيانا ممتدا من اسطنبول إلى أواسط أسيا ومنغوليا.. فشل الأتراك ولكن على جثة 1.5 مليون أرمني تم تطويبهم من قبل الكنيسة الأرمنية كقديسيين. والمؤسف في كل ما حدث أن البعض يحاول سرقة مآسينا دون أي احترام لما قدمه هذا الشعب من تضحيات من أجل إبقاء قضيته حية.

الشعب الأرمني قام.. حقا قام.

بدعمكم نكبر.. شكر لكم!