20187.jpg

أردوغان.. ازدواجية المعايير بين الأرمن والأويغور

أردوغان.. ازدواجية المعايير بين الأرمن والأويغور

في السادس من شهر شباط/فبراير الماضي أدان المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن بشدّة إعلان الرئيس ماكرون 24 نيسان/إبريل يوما لإحياء ذكرى إبادة الأرمن، قائلا إن مزاعم إبادة الأرمن كذبة سياسية ليس لها أي أساس قانوني وتتعارض مع الحقائق التاريخية وتركيا لا تقيم لها وزنا.

وأكد الرئيس رجب طيب أردوغان على الموقف نفسه بعد أيام قائلا: “ماكرون، افهم هذا الأمر، لم تحصل إبادة في تاريخنا”. وفي التاسع من الشهر نفسه قال الناطق باسم الخارجية التركية حامي إكسوي، إن طريقة تعامل الحكومة الصينية مع أقلية الأويغور المسلمة تشكل عارا على الإنسانية، وأنه تبلغ بموت الشاعر عبد الرحمن هاييت من هذه الأقلية خلال احتجازه، وأن هذا الحادث المأساوي عزز رد فعل الشارع التركي حيال الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.

يقول خبراء ومنظمات حقوقية تابعة للأمم المتحدة أنهم تلقوا تقارير ذات مصداقية عن أن مليونا أو أكثر من الأويغور محتجزون في ما يشبه معسكرات اعتقال ضخمة، ونددت بعض تلك المنظمات بما يتعرض له الأويغور من اضطهاد في الصين.

وفي نفس الوقت تعترف الأمم المتحدة رسميا بالإبادة التي تعرض لها الشعب الأرمني، لأن هذه المنظمات لا يعنيها عرق أو قومية أو دين الضحايا، فهي تنظر للجميع باعتبارهم بشر، بينما يشير تناقض التصريحات التركية حول الحالتين إلى أن موقفها يتحدد حسب جنسية أو طائفة الجزار والضحية.

في نهاية عام 1948 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية منع جرائم الإبادة الجماعية ومعاقبة من قام بها ومن اشترك فيها ومن حرّض عليها، وصادقت عليها 146 دولة. وتعرف الاتفاقية جرائم الإبادة بالتالي: “تعني الإبادة الجماعية أيا من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه:

(أ) قتل أعضاء من الجماعة.
(ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.
(ج) إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.
(د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.
(هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى

جميع وسائل الإبادة الجماعية السابقة تم تطبيقها بشكل بالغ الوحشية من قبل السلطات العثمانية بحق الشعب الأرمني، الذي استهدف بالقتل والتجويع والتعذيب والاغتصاب وإبعاد الأطفال عن ذويهم ومصادرة أملاكه والتي انتهت بعد طرده من أراضيه التاريخية بمسيرات الموت القسري.

حدثت هذه الجريمة على موجات عدة، من نهاية القرن التاسع عشر إلى أن بلغت مرحلتها النهائية في 24 نيسان/أبريل 1915 عندما تم إعدام المئات من أهم الشخصيات الأرمنية في ساحات مدينة إسطنبول والتي كانت إشارة انطلاق لعمليات إبادة مئات القرى الأرمنية في شرق الأناضول بمشاركة من بعض العشائر الكردية.

وقد وصف أحد المراسلين الأميركيين ما شاهده من قوافل المرحّلين وكيف حدّثوه عن كيفية قتل رجالهم من اليوم الأول والاعتداء على النساء طوال طريق الرحلة الطويلة إلى البادية السورية حيث مات 75 في المئة منهم خلالها نتيجة الجوع والإرهاق والأمراض.

بالنسبة لنا في سوريا، المذبحة الأرمنية حقيقة لا يمكن التشكيك فيها، لأنه أتيحت لنا الفرصة للتعرف شخصيا على أبناء وأحفاد الناجين من هذه المذبحة الذين عاشوا تفاصيلها، والذين نقلوا معهم عندما استقرّوا في سوريا خلاصة آلاف السنين من حضارتهم وأغنوا بلدهم الجديد بثقافتهم ومهاراتهم والتزامهم في عملهم وأمانتهم وطعامهم المميز.

كما لا يمكن إنكار المذابح وعمليات التطهير العرقي التي تعرض لها الشعب الآشوري ـ السرياني في الفترة نفسها على يد العثمانيين بالتعاون مع عشائر كردية، والتي أدّت إلى مقتل مئات الآلاف منهم وأغلبهم ذبحا بالسيوف لذلك أطلق عليها بالسريانية اسم مذابح سيفو التي لم تحظ بالتغطية الدولية التي تستحقها مقارنة مع مذابح الأرمن. والسريان ـ الآثوريين هم سكان المنطقة الأصليين الذين أعطوا سوريا اسمها؛ اعترفت الأحزاب الكردية الرئيسية وكثير من المثقفين الأكراد بجريمة إبادة الأرمن والآشوريين ـ السريان وقدموا اعتذارا باسم أسلافهم عن الفظائع التي شاركت فيها بعض عشائرهم.

وفي نفس الوقت لا يمكن في سوريا إنكار الاضطهاد والتهجير والإبادة التي تعرض لها الشركس “الأديغة” على يد الروس في شمال القوقاز خاصة بين الأعوام 1864 و1867 حين تم طرد مئات الآلاف منهم من ديارهم بحيث ماتت أعداد كبيرة منهم غرقا أو بالأوبئة، لأن الكثير منهم لجأ واستقر أيضا في سوريا وقام بإنشاء العديد من القرى والبلدات الزراعية التي تميزت بإنتاجها الوافر نتيجة براعتهم وحيويتهم ونشاطهم.

كما يجب الاعتراف وإدانة المجزرة التي تعرض لها المسيحيون في دمشق عام 1860 والتي أدت إلى مقتل آلاف الأشخاص وتدمير مئات المنازل والمحال التجارية والكنائس والمدارس ومصانع الغزل والنسيج الدمشقي المشهور الذي كان مسيحيو دمشق هم القائمون تاريخيا عليه، وما نجم عن تلك المجزرة من تحوّل كثير من القرى في ريف دمشق والقلمون وحوران قسرا وخوفا للإسلام وانطلاق موجة هجرة واسعة للمسيحيين إلى خارج سوريا.

حدثت خلال العقود الأخيرة كثير من المذابح مثل سربرنيتسا التي قام بها الصرب ضد المسلمين في البوسنة، وصبرا وشاتيلا ضد الفلسطينيين في لبنان، ومذبحة حماة السورية عام 1982 على يد نظام الأسد الأب، وعمليات الأنفال لنظام صدام حسين ضد الأكراد في العراق، ومجازر دارفور التي قامت بها حكومة عمر البشير في السودان، ومذابح الأيزيديين على يد داعش، وأخيرا المذبحة السورية المستمرة حتى الآن على يد نظام الأسد الابن.

تدفع الاعتبارات الأخلاقية للوقوف دائما مع الضحايا والمظلومين بغض النظر عن قوميتهم أو طائفتهم، بينما إدانة بعضها وتبرير بعضها الآخر يعني السير على خطى أردوغان الذي أنكر مذابح الأرمن والآشوريين ـ السريان واستقبل قبل أسابيع عمر البشير المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في دارفور.

وقد تجسّد التضامن بين الضحايا في متاحف الهولوكوست في الولايات المتحدة الأميركية، عندما تجاورت صور سيزر لجثث آلاف المعتقلين الذين تمت تصفيتهم في سجون النظام السوري مع صور مماثلة لضحايا معسكرات الاعتقال النازية نتيجة تشابه الأساليب التي تم إتباعها في تجويعهم وقتلهم.

وقال كاميرون هدسون مدير المحتوى لمتحف الهولوكوست “إن تماثل مذبحة الهولوكوست في أوروبا بالمأساة في سوريا هو أمر واضح”، ولم تكتف المنظمات اليهودية الأميركية بذلك بل قامت بمساعدة اللاجئين السوريين بالقدوم إلى الولايات المتحدة وتقديم العون لهم حتى تستقر أوضاعهم، وقد دفعت منظمة “هياس” ثمنا باهظا لمساعدتها اللاجئين عندما تعرّض معبد شجرة الحياة في مدينة بيتسبرغ الأميركية إلى اعتداء من قبل متطرف عنصري أودى بحياة 11 مصليا يهوديا.

عندما تتعاطف مع المظلومين فإن العالم سيتضامن معك، ولذلك فقد نجحت البشرية في جعل إنكار الهولوكوست جريمة يعاقب عليها القانون في الدول التي تقيم وزنا لحياة وحقوق الإنسان، ويوما ما ستنجح في إعطاء الأرمن والآشوريين ـ السريان والشركس والروهينغا والسوريين حقهم بجعل إنكار ما تعرضوا له من مذابح جريمة.

كما أن الاعتراف بجرائم الأمس يفتح صفحة جديدة بين القوميات والطوائف لتمضي إلى مستقبل أفضل، بينما الذين يعيشون في الماضي في ملابس وقصور الخلفاء والسلاطين لا يستطيعون إدانة الماضي لأنهم ما زالوا يعيشون فيه.

بقلم: د. عماد بوظو / نقلا عن قناة الحرة

scroll to top