الملاحقات الأخلاقية لتركيا: من مذابح الأرمن إلى «زيتون» عفرين

الملاحقات الأخلاقية لتركيا: من مذابح الأرمن إلى «زيتون» عفرين

من مجازر الأرمن قبل 103 أعوام إلى عملية «غصن الزيتون» في عفرين السورية، تواجه السياسة التركية معضلة أخلاقية وإنسانية، انعكست سلباً على صورة تركيا. وما بين المبررات التركية، والدعاوى المضادة ضد سلوكها الخشن تجاه الأقليات، تستمر أنقرة في رفض الاعتراف بمجازر الأرمن، وتدعي شرعية بقائها في عفرين «لمواجهة الإرهاب الكردي». هذا السلوك التركي يكشف عن توافق في التوجهات النخبوية للأتراك بعيداً من التباينات السياسية، فكلها تعلي النزعة القومية على ما عداها. ولعل ردود حكومة العدالة والتنمية والأحزاب التركية، تكشف هي الأخرى عن عمق هذا التوجه، فقد ندّدت جميعها بمواقف القوى الدولية الرافضة دخول عفرين، كما رفضت من قبل مواقف البرلمانات التي اعترفت بـ «جرائم ضد الأرمن»، وترى أن تبنيها «الرواية الأرمينية» حول الأحداث واعتبار ما جرى «إبادة جماعية»، عملاً عدائياً ضد تركيا.

في المقابل، اعتقلت السلطات التركية مئات الأشخاص، بسبب اعتراضهم على العملية العسكرية للجيش التركي في عفرين، وتعتبر أنقرة وحدات حماية الشعب «قسد» تنظيماً إرهابياً وامتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمرداً في جنوب شرق تركيا ذي الأغلبية الكردية منذ عام 1984. وبرغم اعتراف عدد كبير من المؤرخين، وأكثر من 20 دولة من بينها فرنسا وإيطاليا وروسيا بحصول إبادة للأرمن إضافة إلى الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي، ومجلس الكنائس العالمي، وغيرها من المنظمات الحقوقية الدولية، إلا أن الهولوكوست الأرميني لا يزال يصطدم بإنكار منظّم تقف وراءه، بحماسة ومواظبة، الدولة التركيّة وريثة الإمبراطورية العثمانية.

وترسم تركيا خطاً أحمر برفضها الضغوط الدولية للاعتراف بـ «الإبادة»، وتسعى إلى ترسيخها في الوعي الجمعي العالمي باعتبارها «مأساة» لكلا الطرفين، وتقول أنقرة إن ما حدث كان «تهجيراً احترازياً» ضمن أراضي الدولة العثمانية بسبب عمالة عصابات أرمينية للجيش الروسي. وتدعو تركيا اليوم إلى حل القضية عبر منظور «الذاكرة العادلة» الذي يعني التخلي عن النظرة أحادية الجانب إلى التاريخ، وأن يتفهم كل طرف ما عاشه الآخر.

الوضع يبدو مشابهاً في عفرين أو قريباً، فبينما ادعت تركيا أن مجازر الأرمن جاءت دفاعاً عن استقرار السلطنة، ومواجهة خصومها الدوليين، وعدت أنقرة اليوم، مع عفرين، بأن معاركها فــــي سورية ضد الإرهاب والأكراد لن تتوقف حتى يعود كل اللاجئين إلى ديارهم ليـــتحول الموقف قبل مئة عام واليـــوم إلى موجات جــديدة ومستــمرة مــن النــزوح.

وفي الوقت الذي أدانت قوى دولية وإقليمية عملية «غصن الزيتون»، بعدما أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا من القتلى والجرحى من المقاتلين والمدنيين، وألحقت دماراً كبيراً ببلدات وقرى المنطقة، إلا أن أنقرة بررت العملية، ورأت فيها ضرورة قصوى لحماية الأمن القومي التركي.

صحيح أن أنقرة ويرفان اتفقتا في العام 2009 على خريطة طريق لتطبيع العلاقات، كما قدم أردوغان تعازيه للأرمن قبل نحو ثلاثة أعوام، أما في ما يتعلق بالمشهد السوري، فقد استضافت ما يقرب من 3 ملايين لاجئ سوري إلا أنها مع الأولى ترفض الاعتراف بمسؤوليتها التاريخية عن مآسي الدولة العثمانية ضد الأرمن، وفي سورية تمنع قسرياً طالبي اللجوء هرباً من العنف في عفرين وغيرها إلى أراضيها.

الأكيد أن لا مساواة في حجم التبعات التي طاولت الأرمن وأكراد عفرين، لكن كليهما عانى قسوة تركية لا تخطئها عين، وفي هذا السياق تبقى الإشارة مهمة إلى أن إبادة الأرمن في عام 1915، لم تكن هي الأولى من نوعها، فقد سبقتها جرائم مماثلة، أولاها التي تمت في عهد السلطان عبدالحميد الثاني ضد المسيحيين القاطنين شرق الأناضول من الأرمن والأشوريين بين عامي 1894-1896. ونفذ هذه الجرائم ما عرف آنذاك بالكتائب الحميدية، وهي الكتائب التي تكونت من قوات شبه نظامية من أبناء العشائر الكردية في العام 1885 لاستخدامها في الحرب ضد روسيا. أما الجريمة الثانية فقد جاءت في منتصف نيسان (أبريل) 1909، عندما أصدر حزب الاتحاد والترقي الأوامر بتنظيم مذابح للأرمن في (أضنة)، راح ضحيتها قرابة 30 ألف أرمني.

أما المعاناة الكردية من الأتراك فلم تقتصر على عفرين، فثمة مواجهات مسلحة بين حزب العمال الكردستاني شرق تركيا والدولة منذ العام 1984، وراح ضحيتها الآلاف ناهيك عن مواجهات تركيا مع الأكراد في جبال قنديل وسنجار شمال العراق.

المثير في التوجهات التركية تجاه الأرمن والأكراد، أنه تم توظيف البعد الديني بالأمس واليوم، للتخلص من هذه الأقليات. فمثلاً في أحداث أضنة 1909 خطب شيخ مسجد توزباشي في الناس قائلاً «حان وقت تصفية الكفرة». كما نادت مساجد السلطنة بالجهاد ضد الأرمن، حتى أن المجتمعين بالمساجد تحت تأثير الشحن الديني أقسموا على «عدم ترك أرمني واحد على قيد الحياة».

ومع بدء عملية «غصن الزيتون»، زاد التوجه نحو تديين الخطاب الرئاسي التركي من خلال الاستخدام المكثف والمحور للنصوص الدينية والمقولات التراثية، وبرز الاستثمار السياسي في أدلجة الخطابات الرئاسية في دعوة أردوغان للمواطنين الأتراك للذهاب للمساجد وتلاوة سورة «الفتح»، «المنوط بها قضاء الحوائج ونيل المراد»، من أجل انتصار القوات التركية في عملية «غصن الزيتون». وأصدرت رئاسة الشؤون الدينية تعليمات إلى أئمة المساجد بقراءة سورة «الفتح» قبيل صلاة العشاء والفجر عشية انطلاق العملية. وروجت المجالس الدينية المسماة بـ «مجالس علماء الدين» -والتي أنشأتها تركيا في إفريقيا وآسيا- للحملة العسكرية التركية، وأقامت الصلوات لنصرة «الجهاد» التركي.

القصد أن تركيا منذ زمن الإمبراطورية تواجه وما زالت معضلة أخلاقية بشأن التعامل مع الأقليات والعرقيات التي عاشت في كنفها أو جوارها، فإبادة الأرمن برغم مرور أكثر من قرن، ما زالت تمثل واحدة من الجرائم الإنسانية، وبرغم الحرب على الحقيقة، وممارسة تضليل معلوماتي بشأن أرقام الضحايا، فإن إبادة الأرمن ستظل جروحاً مفتوحة، ولا يمكن تضميدها من دون الاعتذار رسمياً، وتقديم تعويض عادل ينصف مظلومية الأرمن. كما أن التدخل التركي في عفرين، تحت دعاوى مواجهة التيارات الكردية الإرهابية، أسفر عن مآسٍ إنسانية كشفت عوار أخلاقيات النخب التركية.

المفارقات الأخلاقية للسياسة التركية بدت أيضاً في الاحتفاء بمن وُجهت إليهم تهم ارتكاب الإبادة، خصوصاً احتفال حزب العدالة والتنمية، بمئوية السلطان عبدالحميد الثاني الذي حكم الدولة العثمانية لأكثر من ثلاثة عقود.

يبقى القول إن مماطلة تركيا في الاعتراف بإبادة الأرمن بعد مرور 103 أعوام عليها، والسيطرة على عفرين وقريباً على منبج لا تنفصل عن جهود محاولات إحياء إرث الدولة العثمانية عن طريق التمدد السياسي والجغرافي.

بقلم: كرم سعيد | نقلا عن صحيفة الحياة

Top