الدرس الأوكراني والمكر الروسي في أزمة أرمينيا

الدرس الأوكراني والمكر الروسي في أزمة أرمينيا

تعيش أرمينيا الجمهورية السوفياتية السابقة، أياماً قد تكون نقطة تحول مفصلية في مستقبلها السياسي، بالتزامن مع تسلم المعارضة لمقاليد الحكم هناك، وهي التي لطالما كانت تدفع باتجاه التغيير والانفتاح نحو الغرب على حساب العلاقة مع روسيا.

أدى تعيين الرئيس السابق سيرج سركسيان في 13 نيسان(أبريل) الماضي، كرئيس للوزراء بعد فترتين رئاسيتين، بصلاحيات مطلقة، الى موجه من الاحتجاجات قادت في نهاية المطاف إلى استقالته، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تاريخ أرمينيا.

دفعت الأزمة الأخيرة ولا سيما في بدايتها ،العديد من المراقبين،الى ربط الأحداث التي تعيشها أرمينيا اليوم والعلاقات التي تربطها بكل من الغرب والولايات المتحدة من جهة، وروسيا من جهة أخرى كمدخل لمنعطف قد يكون مصيرياً في تحديد مستقبل هذا البلد، لتشابه الظروف إلى حد كبير من الأزمة الأوكرانية خلال بداياتها.

الواضح أن المعارضة الأرمنية كانت أكثر ذكاءا، واستفادت من الدرس الأوكراني بتجنبها الصدام المبكر مع موسكو، وأخذت بعدم استفزاز الساسة الروس، مؤكدة في الوقت ذاته، أن احتجاجاتهم تهدف إلى محاربة الفساد والفقر، دون أي نيات أخرى.

اللافت آنذاك هو التصريحات الروسية الأكثر عقلانية وحكمة أثناء الأزمة، حيث وصف المتحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ديمتري بيسكوف، الأزمة السياسية الحاصلة هناك، قائلاً «إنها شأن داخلي لأرمينيا واستبعد أي تدخل روسي».

كانت القيادة الروسية تراقب الوضع عن كثب، وكانت أكثر مكراً باتخاذها قرار المواجهة باسلوب مغاير، لا سيما أن الكرملين أصبح مدركاً أن أي تدخل عسكري في الوقت الحالي سوف يكون كارثيا، وعلى وجه الخصوص بعد عدم قدرتهم حتى الان على حسم الملف الأوكراني والسوري.

وهو ما دفع المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زخاروفا، لوصف الأرمن «بشعب عظيم»، عند استقالة الرئيس السابق سيرج سيركسيان، وهو المعروف بأنه رجل روسيا القوي. وأضافت قائلة: «أرمينيا، روسيا دائماً معك».

يرى مراقبون للمنطقة أن السيناريو الروسي الجديد لمواجهة نفوذ المعارضة المتزايد في أرمينيا، يكمن بعدم المواجهة المباشرة، وإغراق المعارضة في المشاكل الاقتصادية، والعراقيل المتعلقة بالقوانين البيروقراطية التي تحتاج وقتا طويلا للتغيير في حالة إظهار أي نوايا للتقارب مع الاتحاد الأوروبي،ناهيك عن سيطرة الحزب الجمهوري الموالي لروسيا على البرلمان، وبالتالي ستكون له اليد العليا في الموافقة على اصدار القوانين والتشريعات التي تضمن بها موسكو عدم التعرض لمصالحها الاستراتيجية.

الواضح أن زعيم المعارضة الأرمني، نيكول باشينيان الذي انتخب كرئيس للوزراء، يدرك جيداً الواقع الجيوسياسي لبلاده، لا سيما حالة اللاحرب واللاسلم مع آذربيجان، والعلاقات المنقطعة مع الجارة تركيا، ما دفعه إلى عدم إطلاق إي تصريحات معادية لروسيا، بل دعا للحفاظ على المصالح الاستراتيجية بين البلدين، ومطالبا بالدعم الروسي للخروج بأرمينيا إلى بر الأمان نتيجة التغيير الحاصل.

وأكد باشينيان في تصريحاته على العلاقات الوثيقة بين موسكو ويريفان، قائلا: «أعتقد أن أحدا في أرمينيا لم يشكك ولن يشكك أبدا في الأهمية الاستراتيجية للعلاقات الأرمنية الروسية. نحن نعتزم إعطاء دفعة جديدة لهذه العلاقات سواء سياسياً أو اقتصادياً أو تجارياً». جاء ذلك خلال اجتماعه مع بوتين في منتجع سوتشي على البحر الأسود، قبل أيام.

المؤكد أن الأزمة الأوكرانية رسخت قناعة لدى المعارضة الأرمنية عموما، ونيكول باشينيان خصوصاً بعدم تدخل الغرب لحمايتهم كما حصل في أوكرانيا، وبالتالي عليهم عدم إظهار أي مشاعر عداء ضد المصالح الروسية في البلاد، باعتبارها الضامن الوحيد للأمن القومي الأرمني في الوقت الراهن.

بدأ رئيس الوزراء باشينيان، بسلسلة من الإقالات، وهو الأمر الذي يوحي برغبة في إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وابعاد المتنفذين الموالين للكرملين من مراكز القرار، حيث تقدم بمقترح إلى الرئيس الأرمني أرمين ساركسيان، لإقالة قائد الشرطة فلاديمير غاسباريان، وقائد جهاز الأمن الوطني غيورغي كوتويان من منصبيهما، بالإضافة الى أقالات أخرى شملت مسؤولين.

في هذا السياق، تعتبر أرمينيا بالنسبة لموسكو حليفا اقتصاديا واستراتيجيا مهما، حيث تعمل أكثر من ألف شركة روسية في أرمينيا، كما يبلغ حجم الاستثمارات 4 بلايين دولار، أي ما يقارب 40 في المئة من حجم الاستثمارات الأجنبية في أرمينيا، وتسيطر روسيا على العديد من المؤسسات ذات الأهمية الحيوية في البلاد، منها مؤسسة الكهرباء التي تعود فيها ملكية النقل والتوزيع حصراً إلى شركة روسية.

يعتقد الخبراء أن هاجس الخوف لدى الروس من انهيار الدولة، يدفعهم إلى عدم تأييد أي دعوة احتجاجية ضد بوتين، لكن نجاح أي تجربة ديموقراطية في الفضاء السوفياتي السابق، سوف يدفع المواطنين الروس عاجلاً أم آجلاً لتكرارها، وهو ما يجعل بوتين حازماً في وجه أي حكومة تحاول العبث في السياسات القائمة حالياً في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز على حد سواء.

بقلم: شاهر الحاج جاسم
نقلا عن صحيفة الحياة

Top