هل تعترف سوريا بالإبادة الأرمنية؟.. سبوتنيك تلتقي نورا أريسيان

هل تعترف سوريا بالإبادة الأرمنية؟.. سبوتنيك تلتقي نورا أريسيان

الأرمـن شعب عريق وخلاق في كل المجالات، فقلّما تجد أرمنيا يزاول مهنة ما، إلا ويكون من بين أفضل من يزاول هذه المهنة، إن لم يكن الأفضل على الإطلاق.

تعرض الأرمـن في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين إلى أبشع وأشنع الجرائم في تاريخ البشرية الحديث، تمثّلت في قيام السلطنة العثمانية قبيل تداعيها الأخير، بالتهجير القسري للأرمن، والتعذيب الوحشي لهم، وصولاً إلى مذابح جماعية حصدت أرواح مليون ونصف أرمني، لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا أميَز وأمهَر أقليّات وقوميات السلطنة البائدة.

يعيش الأرمـن، اليوم، عدا عن أرمينيا التي يقطنها حوالي ثلاثة ملايين ونصف، شتاتاً يتوزّع في مختلف دول العالم، تأتي على رأسه روسيا، التي يقطنها قرابة المليونين ونصف أرمني، وأمريكا التي يقطنها المليون ونصف، يتوزع الباقون على دول فرنسا، إيران، جورجيا، والأرجنتين، وفي بلاد الشام يقطن أغلب الأرمن في سوريا ولبنان.

في سوريا — أقله قبل آذار/مارس 2011 — عاش الأرمن كغيرهم من مكوّنات الشعب السوري، حالة تعايش سلمي جيّدة، كانوا خلالها، وخاصة في حلب، من كبار الصناعيين والحرفيين والتجار، إضافة إلى إسهاماتهم المتميّزة في كل مناحي الحياة السورية. بعد آذار/مارس 2011 تغيّرت الصورة، وكأنه كُتِبَ على هذا الشعب أن يعيش تغريبته مرّتين.

دمشق — سبوتنيك. الباحثة الدكتورة نورا أريسيان، النائب في البرلمان السّوري ورئيس لجنة الصداقة السورية-الأرمنية، وفي حوار خاص مع “سبوتنيك”، تحدّثت عن الإبادة الأرمنية، التي تصادف اليوم 24 نيسان/أبريل، ذكراها المائة والثلاث سنوات، إضافةً للحديث عن أوضاع الأرمن السوريين في ظل الأزمة العاصفة بالبلاد.

سعادة النائب، لمن لا يعلم.. ما هو الرابع والعشرون من نيسان/أبريل في أجندة الشعب الأرمني؟

” إنها ذكرى إبادة الشعب الأرمني بشكل ممنهج، عبر عمليات التهجير القسري، والتعذيب، والذبح والتشريد، واعتقال المئات من الشخصيات النخبوية الأرمنية من كتّاب ومفكرين ورجال دين وأطباء. جرت هذه الإبادة، والتي تبعتها عمليات نفي، في 24 نيسان/أبريل 1915 في عاصمة الإمبراطورية العثمانية (القسطنطينية). لهذا يحيي الأرمن ذكرى الإبادة الجماعية في هذا اليوم من كل عام.

راح ضحية الإبادة أكثر من مليون ونصف مليون أرمني، فضلاً عن مئات الآلاف من المهجّرين، الذين أُجبروا على السير بعد أن سُلبت ممتلكاتهم وأديرتهم وكنائسهم، فتشكَّلت (السَوقيات) التي سارت في قوافل متتالية باتجاه الصحراء السورية، ليستقبلهم العرب السوريون هناك.

لقد تبنّت حكومة الاتحاديين سياسية (الطورانية)، واعتُبِرَ الشعب الأرمني العائق الوحيد لتنفيذ هذا المخطط، فكانت الإبادة الوسيلة الوحيدة لوقف نمو وازدهار الأرمن، ومنع توليهم مناصب رفيعة في مجالات الاقتصاد والثقافة في الإمبراطورية”.

تذكر الدكتورة أريسيان خلال حديثها الصحافة السورية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي قامت بدراستها كمصدر مهم حول عمليات الإبادة الأرمنية، حيث تناولت تلك الصحف موضوع تهجير الأرمن وترحيلهم الى الأراضي السورية، وكانت أول من أعطى توصيفا دقيقاً لما جرى للأرمن بأنه إبادة جماعية.

هل تعترف الدولة السورية بالإبادة الأرمنية؟ وتحديداً مجلس النوّاب السوري وأنتِ إحدى أعضائه.

“في 16 آذار 2015 عُقِدَت جلسة خاصة في مجلس الشعب بمناسبة الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية، ألقى فيها السيّد محمد جهاد اللحام رئيس مجلس الشعب آنذاك كلمة بهذه المناسبة، عبّر خلالها عن تضامن سوريا المطلق مع الشعب الأرمني الصديق ومع أهلها الأرمن في سوريا، الذين تعرضوا قبل مئة عام لمجازر إبادة جماعية بشعة من قبل السلطات العثمانية. وفي 23 نيسان عام 2015، قام السيّد اللحام على رأس وفد برلماني بزيارة إلى يريفان للمشاركة في مراسم إحياء الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية، وألقى كلمة في المنتدى الاجتماعي بعنوان (مكافحة جريمة الإبادة).

كما تقدمت شخصياً في مجلس الشعب العام الماضي بطلب إدراج الإبادة الأرمنية في المناهج الدراسية، بالإضافة إلى طلب استصدار طابع بريدي مكرَّس للإبادة الأرمنية. وهذه خطوات هامة على مسار الاعتراف بالإبادة الأرمنية”.

برأيك هل سنصل إلى يوم نرى الرابع والعشرين من نيسان/ أبريل على الأجندة الدولية العالمية وليس الأجندة الأرمنية فقط؟

إعلامياً، نجد القنوات التلفزيونية العالمية تبث تقارير مخصصة للإبادة الأرمنية، وكذلك الصحافة الغربية والعربية تنشر المقالات والتقارير والحوارات في 24 نيسان من كل عام. أما سياسياً، فإنَّ الشتات الأرمني في العالم يتفاعل في هذا اليوم، من خلال مكاتب القضية الأرمنية، ويطالب الأرمن في الغرب برلمانات وحكومات الدول الغربية بالاعتراف بالإبادة الأرمنية والتعويض. وفي 24 نيسان يتم تنظيم وقفات سلمية أمام السفارات التركية في الكثير من عواصم الدول، بالإضافة الى الجلسات الخاصة حول الإبادة الأرمنية في برلمانات العديد من الدول.

رغم أن تركيا مستمرة في إنكارها لجريمتها التي ارتكبتها قبل مئة عام، برأيي تشهد قضية الإبادة الأرمنية إنجازات كبيرة من خلال اعترافات وإدانات العديد من الدول والبرلمانات والمدن والمنظمات الدولية والشخصيات البارزة”.

خلال الأزمة السورية تعرّض المسيحيون للكثير من الضغوط وحملات الترهيب، وصلت حد التهجير القسري من بعض المناطق. ماذا تركت الحرب من آثار على الأرمن السوريين وهل دفعتهم لتغريبة ثانية بعد تغريبتهم الأولى ؟!

في الحقيقة، الحرب على سوريا كان لها تأثير كبير على الأرمن كباقي مكوّنات الشعب السوري.

لكنَّ أكثر حدث أثّر في السوريين الأرمن وآلمهم، حين أقدم تنظيم داعش الإرهابي المدعوم من تركيا، على تفجير كنيسة شهداء الأرمن في مدينة دير الزور في 21 أيلول 2014.

لقي تدمير الكنيسة إدانة عالمية واسعة النطاق، واعتبر هذا الاعتداء على الأماكن المقدّسة، دليل آخر على الطبيعة الهمجية لتنظيم داعش الإرهابي، كما أنه تتمة لتدمير عشرات الآلاف من النصب التذكارية الأرمنية.

لاشك أن الأرمن في حلب حيث تكمن الكثافة السكانية الأرمنية، عانوا من تدمير المعامل والمنشآت الصناعية والتجارية جرّاء الإرهاب الذي طال المدينة، فاضطر الكثيرون لمغادرة حلب إلى وجهات مختلفة. نعم إنها تغريبة جديدة. ولا يمكن أن نغفل قافلة الشهداء من السوريين الأرمن، العسكريين والمدنيين، وكذلك الجرحى الذين كانوا ضحية الحرب على سوريا”.

كنيسة شهداء الأرمن التي دمّرها تنظيم داعش الإرهابي

كنيسة شهداء الأرمن التي دمّرها تنظيم داعش الإرهابي

السورية الأرمنية، الدكتورة نورا آريسيان ماذا تقول لشعبي سوريا وأرمينيا، الذين تعرضا فيما مضى ويتعرضان اليوم لغدر وبربرية نفس العدو؟

لقد عانى السوريون واللبنانيون والأرمن والسريان مصيراً واحداً على يد العثمانيين، وجميعنا يدرك (السفربرلك) والجوع والحرب التي خلّفتها العثمانية التركية، وكيف عُلِّقَت مشانق السورين واللبنانيين.

لقد شهدنا في سوريا تجلّيات الإبادة الأرمنية، من خلال مذابح أخرى وانتهاكات ضد الشعب السوري، من قطع رؤوس وذبح، أساليب انفردت بها الإمبراطورية العثمانية، كالهجوم الذي جرى من تركيا على بلدة كسب ذات الأغلبية من المواطنين السوريين الأرمن والتي لها اعتباراتها التاريخية.

إنَّ أهم خطوة يمكن أن تقوم بها الشعوب والحكومات هي ملاحقة مرتكبي الجريمة وإلزامهم بالاعتراف الرسمي والتعويض.

الشعب الأرمني بعد تعرّضه للإبادة، عاش في الشتات وحافظ على لغته وثقافته وهويته الأرمنية، وانطلق مثل طائر الفينيق، وهذا ما سنفعله نحن السوريون بعد انتصارنا على الإرهاب الدولي، وإعادة إعمار سوريا المتعافية”.



Top