سورية بين التصعيد و"خفضه" إلى السلام "الهش".. بقلم: ليون زكي

سورية بين التصعيد و”خفضه” إلى السلام “الهش”.. بقلم: ليون زكي

تقلب وضع الحرب في سورية في النصف الثاني من 2017 من التصعيد إلى “خفض التصعيد” الذي رسخه اتفاق “أستانا 6” منتصف تموز من العام ذاته بين الدول الضامنة لتنفيذه روسيا وتركيا وإيران، وبدا أنه أنجع “وصفة” لتخفيف التوتر في مناطق النزاع داخل البلاد بغية التفرغ مؤقتاً لقتال تنظيم “داعش” والقضاء عليه في مناطق سيطرته شرق البلاد.

نجح “خفض التصعيد” في توفير الإمدادات اللوجستية الكافية للجيش العربي السوري وحلفائه لهزيمة “داعش” في مناطق غرب نهر الفرات بالتوازي مع سحقه شرق النهر على يد التحالف الدولي بقيادة واشنطن وبالاعتماد على “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، ذات الأغلبية الكردية، وهو ما اثبت جدواه قبل أن يتضح أن الأمور تسير باتجاه تثبيت مناطق نفوذ الجانبين كخطوط حمراء رسمتها واشنطن وموسكو على أمل التوصل لاتفاق لاحق قد يطول انتظاره، وربما بمثابة “اتفاق دايتون” الذي يوجد تسوية للأزمة السورية.

انتهى “داعش” من الناحية النظرية بطرده من مناطق نفوذه في العراق وسورية لكن تصميم الإدارة الأمريكية على إنشاء 10 قواعد عسكرية لها شرق الفرات ووضعه تحت سيطرة “قسد” أفقد سورية نحو ثلث كل من مساحتها الجغرافية ونفطها ومياهها وثرواتها الزراعية إلى أجل غير مسمى، وأفسح ذلك المجال للاعبين الدوليين والإقليميين الآخرين إلى تقاسم مناطق نفوذهم في باقي جغرافيا الباد.

فبينما شقت إيران طريقها البري الذي اشتغلت عليه نحو أربعة عقود من طهران إلى بيروت بعد سيطرة الجيش السوري وحلفائه على الطريق الدولي من تدمر إلى دير الزور والميادين والبوكمال حيث معبر القائم، وبعد أن ضمنت روسيا حصولها على قاعدة حميميم البرية في اللاذقية إلى جوار قاعدة طرطوس البرية مع استثمارات اقتصادية، وجدت تركيا ضالتها في رسم وتثبيت مناطق نفوذها بموجب مناطق “خفض التصعيد” الذي أدخلت ادلب في قائمتها في “استانا 6″، وبدأت بنشر نقاط مراقبتها في ريف حلب الغربي وادلب اعتباراً من تشرين الأول 2017.

وبرزت إلى الواقع مجدداً “سياسة الصفقات”، وخصوصاً بين موسكو وأنقرة. فبعدما نجحت تلك السياسة في استعادة الجيش السوري لحلب نهاية العام 2016 مقابل هيمنة تركيا عن طريق فصائل “درع الفرات” على مدينة جرابلس وبلدة الراعي والشريط الحدودي بينهما وصولاً إلى اعزاز وإلى مدينة الباب في عمق ريف حلب الشمالي الشرقي، رسمت صفقة جديدة مراسم الحل الميداني على الأرض وقضت بأن يمد الجيش السوري نفوذه إلى المنطقة الواقعة شرق سكة الحجاز في أرياف حلب الجنوبي وادلب الجنوبي الشرقي وحماة الشمالي على أن تغدو المنطقة الواقعة غربي السكة في محافظة ادلب وريف حلب الغربي منطقة نفوذ تركية جديدة.

استعجلت أنقرة تطبيق بنود الخطة الجديدة في الوقت الذي انهمك فيه الجيش السوري وحلفاؤه في معارك “داعش” غرب الفرات على اعتبارها من الأولويات لديه إلى أن استقر الوضع للبدء بتنفيذ الخطة وليسيطر الجيش على ريف ادلب الجنوبي الشرقي وصولاً إلى مطار ابو الظهور العسكري الذي استرده في 10 كانون الثاني 2018 من “جبهة النصرة” والتي غدت “عقدة” الحل في ادلب التي نجحت تركيا في تجنيبها عملاً عسكرياً وشيكا مقابل حل الفرع السوري لتنظيم القاعدة، وهو ما بدا أنه قيد التحقق خلال الشهرين التاليين مع إعادة تشكيل الفصائل الموالية لتركيا في ادلب تحت جبهة واحدة مهمتها إقصاء “النصرة” من المشهد العسكري والسياسي في ادلب وريف حلب الغربي حتى ولو اتضح أن ولادة تشكيل المشهد من جديد عسيرة بيد أنه عربون مهم لإجراءات الثقة المطلوبة من أنقرة مع موسكو ودمشق.

نجح التوافق بين موسكو وأنقرة من جديد في شباط 2018 في إيقاف إطلاق النار في مناطق نشر “نقاط المراقبة” للجيش التركي وبخاصة في ريف حلب الجنوبي وريفي ادلب الشرقي والجنوبي الشرقي، ودل ذلك على مدى قدرة الحكومة التركية على فرض إملاءاتها على “النصرة” وبقية الفصائل الإسلامية المتشددة. وظل وقف اطلاق النار في ريف حلب الغربي المتاخم لمدينة حلب عبر نقاط المراقبة التركية نقطة جدل أرادت أنقرة استثمارها سياسياً واقتصادياً مع الحكومة السورية وأرجأت تطبيقه إلى نهاية مطاف التسوية – الصفقة لمنع تشغيل مطار حلب الدولي الذي يقع في مرمى قذائف المسلحين والذي تعلق عليه الآمال في إعادة تدوير عجلة اقتصاد عاصمة الصناعة والتجارة السورية.

انتقل “خفض التصعيد” إلى التصعيد بشكل مدروس أكثر من مرة بهدف رسم مسارات التسوية ميدانياً وتكريس مناطق النفوذ، ولعل فتح جبهة عفرين للسيطرة عليها من خلال عملية “غصن الزيتون” التركية في 20 كانون الثاني 2018 أهم تجلياتها، حيث ادعت الحكومة التركية أنها تريد حصار المدينة لتامين الشريط الحدودي معها ووصل مناطق نفوذها بين شمال حلب وغربها مع شمال ادلب وإنهاء وجود وحدات “حماية الشعب”، ذات الأغلبية الكردية، والقضاء على الحكم الذاتي في ثالث مقاطعة كردية ثم ما لبثت أن سارت الأمور نحو فرض السيطرة عليها مقابل سيطرة الجيش السوري على خطوط التماس معها في ريفها الجنوبي شمال حلب.

وكشفت مجريات الأحداث في عفرين النقاب عن صفقة غير معلنة بين موسكو وأنقرة حول عفرين التي رأت الأولى أن قادتها من الوحدات مكثوا طويلاً في “الحضن” الأمريكي دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح بقية القوى الفاعلة في الملف ومنها تركيا التي فاوضت واشنطن أيضاً على منبج لانتزاعها من الوحدات والدفع بهم إلى مناطق هيمنتهم في شرق الفرات فقط فيما ذهبت تحليلات أن فتح جبهات الغوطة الشرقية من الجيش السوري مطلع آذار 2018 من أجل حماية أمن محيط العاصمة كخاتمة لجهود حل الأزمة عسكرياً هو عبارة عن صفقة أيضاً تحصل تركيا بموجبها ومقابل الغوطة على وصاية في عفرين ومنبج على حساب الأكراد.

وبناء على ذلك، أبدت الأمم المتحدة وعلى لسان مستشارها يان إيغلاند خشيتها من امتداد الصراع والمعارك الطاحنة إلى آخر جيبين للمعارضة في ادلب ودرعا اللتين أدرجتا في مناطق “خفض التوتر” والتي رأت فيها الحكومة السورية أنها “مؤقتة”.

أما الأوساط الدبلوماسية الغربية وفي أكثر من تقرير أو تسريب فرأت أن السلام، الذي يفرض عن طريق القوة من دون تقدم حقيقي على مسار المفاوضات في جنيف وليس في سوتشي الروسية ومؤتمراتها، سيبقى “هشاً” ولن يفلح في إخماد ذرائع الحروب الأهلية المقبلة التي قد تشتعل مستقبلاً حتى لو وضعت الحرب أوزارها ما لم يكن حل الصراع “عادلاً” عدا عن احتمال نشوب حروب بين الأطراف الإقليمية والدولية على الأرض السوري مباشرة وليس بالوكالة كما في السابق بعد دخول الأزمة عامها الثامن منتصف آذار 2018.

ليون زكي
خاص لموقع “خبر أرمني
تحليل عن الوضع الحالي لسورية (حتى منتصف أذار 2018) بعد زيارتي الأخيرة لسورية.



Top