الميلاد في 6 يناير: الأرمن يتمسّكون بالتقليد الرّسولي والكنيسة القومية

الميلاد في 6 يناير: الأرمن يتمسّكون بالتقليد الرّسولي والكنيسة القومية

انهم آلاف في لبنان، عشرات الآلاف. عندما يلتئم شمل الارمن الارثوذكس في 6 ك2 2018، يجتمعون للاحتفال بميلاد يسوع المسيح في كنائسهم، بالارمنية الفصحى، على غرار ما قام به ملايين الاجداد قبلهم، طوال 1700 عام. ابناء اوّل ارض اعتنقت المسيحية في التاريخ، لا يزالون يتمسكون بتقليد الكنيسة الاولى: الاحتفال بـ”ميلاد الرب” في 6 ك2.

خصوصية بين خصوصيات اخرى تمتع بها كنيسة الارمن الارثوذكس، ابتداء من كاثوليكوسية بيت كيليكيا الكبير في انطلياس، مرورا بلبنان ومختلف البلدان في الشرق الاوسط، وصولا الى كندا والولايات المتحدة. “الكنيسة الارمنية قومية”، على قول كاهن رعية مار نيشان في بيروت والضواحي الاب مكرديتش كشيشيان لـ”النهار”. في تاريخها الصعب، احداث دموية واضطهادات كثيرة. ورغم ذلك، “حافظت على تراثها ولغتها وتقاليدها ووجودها وخصوصيتها”. واليوم، باتت “النهضة” حليفتها في مختلف اراضيها.

“المنوّر”

من ارمينيا، البلد الاول في التاريخ الذي اعترف بالمسيحية واعتنقها، انبعثت الكنيسة الارمنية الارثوذكسية، او الكنيسة الرسولية الارمنية. وفقا لتقليدها، نشر الرسولان تداوس وبرثلماوس التعاليم المسيحية في ارمينيا خلال القرن الاول الميلادي. العام 301، تم تنصيرها رسميا على يد القديس غريغوريوس “المنير” “الذي تمكّن من اقناع الملك الحاكم يومذاك طيريداط باعتناق المسيحية مع كل بلاطه”. يدعى “المنير” او “المنوّر”، لانه انار الارمن ببشارة الانجيل. وكان اول رئيس للكنيسة الارمنية.

شمعة امام ايقونة مريم العذراء حاملة الطفل الالهي في كاتدرائية مار نيشان في بيروت.

شمعة امام ايقونة مريم العذراء حاملة الطفل الالهي في كاتدرائية مار نيشان في بيروت.

الى جانب صفتها الرسولية، تُصَنَّف الكنيسة الارمنية من الكنائس الارثوذكسية المشرقية التي رفضت، مع كنائس شرقية اخرى، مقررات مجمع خلقيدونيا العام 451. يومذاك، لم يشارك الارمن في المجمع، لانهماكهم في الحرب ضد الفرس الزوروستريين، دفاعا عن المسيحية. وقد رفضوا لاحقا مقرراته، وحرّموها رسميا بعد مجمع دفين الثاني (554-555).

وعلى غرار كنائس شرقية وارثوذكسية اخرى، تحتفل الكنيسة الارمنية بعيد ميلاد يسوع المسيح في 6 ك2، بعد نحو اسبوعين من احتفال الكنيسة الكاثوليكية وكنائس اخرى به في 25 ك1. “تجمع الكنيسة الارمنية عيدي ميلاد المسيح ومعموديته (الغطاس) في عيد واحد، وتحتفل بهما في 6 ك2. هذا التاريخ هو التقليد الرسولي. وقد حافظنا عليه. الكنيسة الاولى احتفلت بميلاد المسيح في 6 ك2. ونحن لا نزال نحتفل به في التاريخ نفسه”، على قول كشيشيان.

بيرمون وماء مبارك وميرون

تقليد الكنيسة الاولى يستمر مع الارمن الارثوذكس. في 5 ك2، وقبل ساعات قليلة من يوم العيد، تحيي الكنيسة “بيرمون” العيد ابتداء من الساعة 3,30- 4,00 ب. ظ، “ونرفع خلاله صلاة المغيب، ونقرأ قراءات من العهد القديم، والتي تتنبأ بميلاد الرب يسوع. ونختمها بسفر دانيال لنمجد الرب ونعظمه. ثم نقيم قداسا احتفاليا نحو الساعة 5,00- 5,30 عصرا”، على ما يفيد كشيشيان.

من التقاليد الارمنية عشية العيد ايضا، تتوجه جوقات كنسية الى الساحات والمنازل، لترتل بشارة الميلاد، بالارمنية الفصحى. انها لغة الصلاة والقداس في الكنيسة منذ نحو 1600 عام. الابجدية الارمنية وضعها القديس ميسروب ماشدوتس (405)، واعتمدتها الكنيسة “انطلاقا من الحرص على وجوب ان يفهم الشعب ما يصلّيه”. ولان عددا كبيرا من الارمن لا يعرفها حاليا، “عمدت الكنيسة الى ترجمة عدد من الصلوات الى الارمنية العامية المتداولة، تسهيلا لفهم المؤمنين ما يسمعونه خلال الصلاة”، وفقا لكشيشيان.

في يوم العيد، تقام قداديس احتفالية في مختلف الكنائس الارمنية الارثوذكسية. ويتخللها تبريك الكهنة ماء المعمودية “بعلامة الصليب 3 مرات”، قبل ان يسكبوا فيه زيت الميرون المقدس الذي “يمثل علامة الروح القدس”، على ما يشرح كشيشيان. ثم “يُوَزَّع الماء على المؤمنين، بحيث يمكن شربه، تبركًا به”.

“قوميّة”

عيد الميلاد يجمع آلاف الارمن الارثوذكس في لبنان. وفقا لارقام تقديرية متداولة، يراوح عدد الارمن (من مختلف الطوائف) بين 60 الفا و90 الفا، او “نحو 80 الفا، وفقا لتقديرات حزبية”. ويشكل الارمن الارثوذكس النسبة الاكبر منهم، ويتبعون لكاثوليكوسية بيت كيليكيا الكبير، ومقرها في انطلياس منذ العام 1930. ويشمل نطاق سلطتها، الى جانب لبنان، سوريا وقبرص واليونان وايران والكويت والخليج وكندا والولايات المتحدة وفنزويلا، بما يشكل مجموع “نحو 1,285,000 مؤمن”.

في تاريخ الاجداد والابناء، حروب واحتلالات واضطهادات اثقلت عليهم طوال قرون. واحدثها، مجازر تعرضوا لها على يد الاتراك خلال الحرب العالمية الاولى (1915)، واوصلت اعدادا كبيرة منهم الى لبنان، وشتّتتهم اكثر في ارجاء العالم. ورغم ذلك، “حافظوا على ذاكرتهم وتراثهم”. “الكنيسة الارمنية قومية”، على قول كشيشيان. “في بلاد الاغتراب، تناضل من اجل الحفاظ على تراثها. ومنذ انتهاء حكم الشيوعية في ارمينيا، تعمل الكنيسة على اعادة احياء الاعياد المسيحية في البلاد. لم يعد شيء يمنع من الاحتفال بها اليوم. ما تشهده الكنيسة في ارمينيا نهضة حقيقية”.

في لبنان، ما ساعد الارمن الارثوذكس في الحفاظ على تراثهم هو “دافع الوجود”، وفقا له. “كان يحلمون ايضا في العودة والاستمرار. بعدما خسروا كيانهم السياسي في بلادهم الام التي هُجِّروا منها، حملت كنيستهم الحمل، وحافظت على التراث والكيان، من خلال التمسك باللغة والتقاليد والوجود والخصوصية. ولو لم تفعل ذلك، لكان مصيرها ومصير ابنائها الذوبان”.

من معالم هذا الحرص، جعل حائط الكنيسة “ملاصقا لحائط المدرسة الارمنية”. منذ انتقال الكاثوليكوسية إلى انطلياس، باتت للارمن الارثوذكس في لبنان اكليريكية (المدرسة اللاهوتية العليا) في بكفيا، ونحو 14 كنيسة تتوزع على مختلف المناطق، ومدارس عدة. لبنان ابرشية يترأسها مطران، وتضم نحو 17 كاهنا يتولون شؤون مختلف الرعايا.

همّ “الالتزام الكنسي”

على غرار الاعياد الكبيرة، يلمّ عيد الميلاد شمل الكنيسة، من انطلياس الى مختلف المناطق. التزام الارمن الارثوذكس الكنيسة يبقى الهمّ الاساسي، “ونتمنى لو كان اقوى في لبنان”، على قول كشيشيان. ما يلاحظه هو “حرية مفرطة في لبنان تبعد المؤمنين عن الكنيسة وتقاليدها، في وقت يختلف الامر في ابرشيات اخرى في المنطقة، حيث يبدي المؤمنون تمسكا اكبر بالكنيسة”. في رأيه، “العيش في بيئة اسلامية يساعدنا في الحفاظ على كياننا المسيحي والارمني”.

كاتدرائية مار نيشان في بيروت

كاتدرائية مار نيشان في بيروت

في هذه المرحلة الزمنية التي “نُحارِب ونُحارَب فيها”، يتوجه في العيد الى الارمن الارثوذكس و”كل المسيحيين”، ليحضهم على “وجوب ان نعي اكثر التزاماتنا الكنسية. لقد ورثنا كنوزا روحية على مدى اجيال طويلة. وهي امانة في رقابنا، وعلينا الاحفاظ عليها. يجب ان يستمر الفكر المسيحي في الاشعاع. فكرنا انفتاحي، وفي الوقت نفسه نحافظ على خصوصيتنا وتراثنا وشعلة النور التي اعطانا اياها ربنا يسوع المسيح”. ويتدارك: “انتم نور المسيح، ويجب ان تنيروا العالم، وان تستمروا في الاشعاع، من خلال حياتكم”.
__
نقلا عن: النهار
بقلم: هالة حمصي
hala.homsi@annahar.com.lb

Top