فيسك: قرار ترامب لا يصدر إلا من شخص مختل.. ليعترف بالإبادة الأرمنية أولا

فيسك: قرار ترامب لا يصدر إلا من شخص مختل.. ليعترف بالإبادة الأرمنية أولا

نشرت صحيفة “ذي إندبندنت” مقالا للكاتب روبرت فيسك تناول فيه قرار الرئيس الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. يقول فسيك إنه دُعي من قبل محطة إذاعية إيرلندية، في دبلن، للتعقيب على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. ويضيف: “السؤال الأول الذي تعيّن عليّ إجابته: ما الذي أعتقد أنه كان يدور في ذهن الرئيس الأمريكي عندما اتخذ قراره”؟ وأجبت على الفور: “ليس لدي مفتاح مستشفى للأمراض العقلية، لأن ما كان يبدو أنه خطأ فاحش وشنيع، ولم أكن أتصور أن يصدر إلا من شخص مختل عقليا، صدر فعلا من زعيم أعظم قوة في العالم”. ويضيف: “وعندما أعدت الاستماع إلى الخطاب الذي أدلى به ترامب في البيت الأبيض، أدركت أنه ينبغي عليّ أن أكون أقل تحفظا وتردداً في إجاباتي، لأن نص الخطاب في ذاته مجنون، غير معقول، ومخجل:

وداعا يا فلسطين، وداعا يا فلسطينيين، وداعا يا حل الدولتين. نهنئكم لأن القدس الان أصبحت العاصمة الجديدة لإسرائيل، وليست أبدا لأي واحد منكم. بل أن ترامب لم يتفوه باسم “فلسطين” أبدا. بل تحدث عن “إسرائيل والفلسطينيين”. بمعنى اخر، قصد بهذه العبارة أن يتحدث عن “دولة” من ناحية، وعن “أولئك الذين لا يستحقون، ولا يمكن لهم أن يطمحوا إلى دولة”.

لا عجب أنني تلقيتُ مكالمة وأنا في بيروت من امرأة فلسطينية استَمَعَت إلى خطاب “تدمير عملية السلام” من طرف ترامب. وسألتني: “هل تذكر مملكة السماء؟”، (في إشارة منها إلى “سقوط القدس في 1187”. وهو فيلم أُنتج في 2005، من إخراج ريدلي سكوت). وأضافت: “حسنا، إنها الان مملكة الجحيم، وليس مملكة السماء”.

ويضيف فيسك: “إن مملكة الجحيم لم تبدأ الان فقط، بطبيعة الحال. فالفلسطينيون يعيشون في الجحيم منذ (100) عام، وتحديدا منذ إعلان وعد بلفور الذي أقامت بريطانيا بموجبه وطنا لليهود في فلسطين. وكالمعتاد كان بعض الردود العربية على قرار ترامب مقبولة للأمريكيين ربما. حيث “حذرت من مخاطر القرار، غير المبرر وغير المسؤول”. وهذا جزء من كلام لا وزن له صدر عن ملك السعودية، الملك سلمان، الذي يطلق على نفسه اسم خادم الحرمين. علما أن القدس تأتي في المركز الثالث من حيث ترتيب القداسة. ومن المؤكد أنه سيتم في الأيام المقبلة تشكيل “لجنة طوارئ” من قبل المؤسسات العربية والإسلامية للتعامل مع هذا “الخطر”، وفق فيسك. ويضيف: “كما نعلم جميعا، لا قيمة لهذه اللجان.

ويضيف فيسك: “يعود هذا التحليل اللغوي إلى صديقي نوعام تشومسكي، عندما كنت في الجامعة، وقد طبقت هذا التحليل على خطاب ترامب. وأول شيء رصدته هو غياب كلمة “فلسطين”. وأنا الان أضع هذه الكلمة في علامات اقتباس لأنني لا أعتقد أنها سوف تكون موجودة كدولة في يوم من الأيام. لتعرف ذلك، اذهب إلى الضفة الغربية وانظر عدد المستوطنات اليهودية المنتشرة فيها. من الواضح أن إسرائيل لا تنوي الوصول إلى حل يؤدي إلى دولة فلسطينية، بل وتبدد كل إمكانية لاقامة دولة فلسطينية في المستقبل.

ولكن، يجب الحذر، يجب ألا يشكل هذا عذرا أو مخرجا لترامب بأي حال. فحتى وعد بلفور سيء الصيت، ذكر اسم فلسطين (رغم أنه سمى اليهود بالاسم، أما العرب فأطلق عليهم تسمية “مجتمعات غير يهودية موجودة في فلسطين”). غير أن ترامب قام في خطابه، وعن قصد، بخفض الصفة: من فلسطين إلى “فلسطينيين”.

ولكن ومنذ بداياته، بدأ ترامب بالمغالطات. فهو يكثر الحديث عن “التفكير الجديد” و”النهج الجديد”. ولكن ليس هناك شيء جيد واحد ذكره بخصوص القدس، سوى أنه اعترف بها عاصمة لإسرائيل، وبالتالي لبى لها طلبها واستجاب لقرع الطبول الذي طبله الإسرائيليون منذ عقود. أما الجديد الاخر فهو في صالح حزبه، والمسيحيين الإنجيليين، والأمريكيين المؤيدين لإسرائيل دون تردد. وببساطة، ابتعد ترامب كليا عن مبدأ الحياد والإنصاف في مفاوضات السلام وانحاز ليلعب بالكرة الإسرائيلية.

وقد قام الرؤساء الأمريكيون السابقون بتأجيل الاعتراف بالسفارة منذ قانون الكونغرس بشأن القدس الذي صدر عام 1995. ولم يكن هذا التأجيل بسبب أنه “سيعزز فرص التوصل إلى السلام”، ولكن لأن الاعتراف ينبغي أن يُعطى للمدينة كعاصمة لشعبين ودولتين، وليس دولة واحدة.

قد تدعي إسرائيل أن القدس الموحدة كلها عاصمتها الأبدية، كما يدعي نتنياهو أن إسرائيل هي “الدولة اليهودية”، على الرغم من أن أكثر من (20%) من سكان إسرائيل هم من العرب المسلمين. ولكن الاعتراف الأمريكي يعني أن القدس لا يمكن أن تكون أبدا عاصمة لدولة أخرى. وهنا تكمن السخرية، فنحن ليس لدينا أدنى فكرة عن الحدود الحقيقية لهذه العاصمة، ولهذه الدولة. وقد اعترف ترامب بهذا الأمر، دون أن يتم القاء الضوء الكافي عليه أو يقدم تفسيرا له، عندما قال: “نحن لا نتخذ موقفا بشأن حدود السيادة الإسرائيلية في القدس”. بمعنى أنه اعترف بسيادة إسرائيل على القدس، دون أن يعرف بالضبط أين تقع حدود تلك المدينة.

ويضيف فيسك، ليس لدينا في الواقع أدنى فكرة عن الحدود الشرقية لإسرائيل. هل تقع على طول الخط الأمامي القديم الذي قسم القدس؟ هل تقع على بعد ميل تقريبا إلى الشرق من القدس الشرقية؟ أم أنها تقع على طول نهر الأردن؟ وفي هذه الحالة، “وداعا فلسطين، وداعا “. وقد منح ترامب إسرائيل الحق في مدينة القدس بأكملها كعاصمة لها، دون أن يكون لديه أدنى فكرة أين تقع الحدود الشرقية لإسرائيل، ناهيك عن حدود القدس.

لقد كان العالم سعيدا بالاعتراف بمدينة تل أبيب كعاصمة مؤقتة لإسرائيل، في ظن منه أن أريحا أو رام الله ربما تكون بمثابة العاصمة للسلطة الفلسطينية إبّان وصول عرفات إلى هناك. ولم يكن هناك أي اعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، رغم أن إسرائيل تدعي ذلك. ثم يأتي ترامب ويقول عن إسرائيل بأنها الديمقراطية “الأكثر نجاحا”، وأن “الناس من جميع الأديان أحرار في مماسة عبادتهم وفق معتقداتهم”.

ويضيف فيسك: “إنني على ثقة أن أحدا لم يخبر ترامب بأن أكثر من (2.5) مليون فلسطيني في الضفة الغربية لا يتمتعون بحرية العبادة في القدس، ولا يمكنهم الوصول إليها دون تصريح خاص. وهذا هو الحال أيضا بالنسبة إلى سكان غزة، فهم محاصرون، ودون أمل بالوصول إلى المدينة. ولكن ترامب يدعي أن قراره هو “اعتراف بالواقع”. وأنا بالمقابل أفترض أن سفيره في تل أبيب لا يصدق هذا الهراء.

وكالمعتاد، يتابع ترامب هُراءه، حيث قال إنه يريد إبرام “صفقة القرن” بين إسرائيل و”الفلسطينيين”، واصفا إياها بأنها اتفاقية سلام تكون “مقبولة من الجانبين”، على الرغم من أنه قضى على هذه الامكانية عندما اعترف بالقدس كاملها عاصمة لإسرائيل، مستبقا ما يسمى بمحادثات “الوضع النهائي”، وهو يعلم أن القدس من أكثر القضايا حساسية، وأن العالم ينتظر حل الدولتين.

ويضيف فيسك، يكفي هذا الهراء، هل ما تزال هناك المزيد من الحماقات في جعبة ترامب؟ وماذا كان يدور في ذهنه عندما اتخذ هذا القرار؟

بالتأكيد، يريد الإيفاء بوعوده الانتخابية. ولكن كيف يمكن له أن يفي بوعوده بينما فشل في نيسان-2017 بالقول إن القتل الجماعي ل (1.5) مليون من الأرمن عام 1915 يعتبر عملا من أعمال الإبادة الجماعية؟ كان من الواضح أنه لا يريد إزعاج الأتراك.

حسنا، لكن الأتراك وكل العرب والمسلمين مضطربون ومنزعجون الآن. وعلى ترامب أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار، وربما سوف يستغرق الأمر سنوات عديدة لبلاده للخروج من اثار هذه الحماقة.

ترجمة: ناصر العيسة، عن: ذي إندبندنت

Top