العميد هرانت بك مالويان.. قائد الدرك السوري

العميد هرانت بك مالويان.. قائد الدرك السوري

ولد هرانت بك مالويان في مدينة موش عام 1897، واكتسب حبه للوطن، وموازنة الأمور بحكمة، أثناء دراسته بدير الآباء المخيتاريين بمدينة فينيسيا (البندقية).

تخرج لاحقاً من المدرسة الحربية في اسطنبول، وفي عام 1916 توجه إلى الجبهة ضمن الفرقة 53 بالجيش العثماني برتبة ملازم أول.

في عام 1918 وقبل إعلان وقف إطلاق النار في الحرب العالمية الأولى، وتردي أوضاع الجيش العثماني، وقع هرانت بك أسيراً في يد القوات العربية بمنطقة درعا. لكنه نجح بالهرب في ظل ظروف مأساوية، حيث كان يسير طوال الليل ويحاول النوم والاستراحة نهاراً، وبقي على هذه الحال حتى وصل إلى بيروت، حيث انخرط في صفوف فرقة المتطوعين الأرمن الحديثة العهد. وسرعان ما سطع نجمه بسبب ذكائه الحاد، وإتقانه خمس لغات إضافة إلى لغته الأم الأرمنية، وهي التركية والفرنسية والانكليزية والإيطالية واليونانية.

أثناء احتلال كيليكيا من قبل الجيش الفرنسي عام 1918، أرسل هرانت بك مالويان إلى كيليكيا وعين لدى الحاكم الفرنسي مساعداً للجندرما. وأثناء معارك الدفاع عن كيليكيا ساهم مساهمةً فعالةً في معارك مرعش وأمانوس، مبدياً شجاعةً فائقة.

وقد أبدى الحاكم العام والقائد الأعلى للقوات الفرنسية بأضنة General Bermon والقادة Norman وDufeu إعجابهم بالقدرات العسكرية التي كان يتمتع بها هرانت بك.

نجا هرانت بك بأعجوبة من المعارك الضارية التي شنت ضد الكماليين، ثم تمت عملية إخلاء كيليكيا بتواطئ مخزٍ من قبل الفرنسيين، بالإضافة إلى اتفاقية مصطفى كمال مع Franklin Bouyon.

وعين هرانت بك لاحقاً في لواء اسكندرون قائداً للجندرما، وكان وجوده في هذا المنصب نعمةً للأرمن الموجودين في اللواء، إذ أنه أصبح صلة الوصل بينهم وبين الفرنسيين، وبين المسؤولين السوريين. للمرة الثانية، وبتواطؤٍ مخز من قبل الفرنسيين، تم تسليم لواء اسكندرون إلى تركيا، فاضطر هرانت بك لترك موقعه وأتى إلى سوريا.

لم يكن هناك جيشٌ سوريٌّ أثناء حكم الاحتلال الفرنسي. حيث كانت قوى الأمن الداخلي فقط تقوم بدور حماية الوطن والحفاظ على الأمن والاستقرار. وضمن هذه الفئة ترعرع هرانت بك، وترفع بمناصبه عاماً بعد عام، حتى استحق وبجدارة منصب القائد العام للدرك.

أثناء معارك النضال من أجل الاستقلال، كان هرانت بك الشخص المثالي الوطني الذي استطاع المحافظة على القانون والنظام، وفي عهده استتب الأمن مما أكسبه احترام وتقدير جميع السوريين بمختلف فئاتهم.

وفي هذه الفترة طلب منه الحاكم الفرنسي بدمشق General Olive Roje تشكيل فرقة عسكرية من الشباب الأرمن، والذين كان معظمهم عاطلاً عن العمل، ووعد أن يمنحهم رواتب عاليةً ليكونوا دعماً لجيش الاحتلال الفرنسي.

وهنا رفض هرانت بك وبجرأة وشجاعة لا مثيل لهما طلب الحاكم الفرنسي بقوله الشهير:
“Mon General, S’il vous plait, lessez les Armeniens tranqille cette fois.”
(سيدي الجنرال، أرجو أن تتركوا الأرمن وشأنهم).

هذه الوقفة الشجاعة كان لها الأثر العميق لدى الساسة السوريين، وكمكافأة على هذا الموقف الشهم، وبعد فترة وجيزة، زار السيد عطا بك الأيوبي مع مجموعة من الشخصيات الهامة السورية مطرانية الأرمن، وبعد مقابلتهم للمطران دوهموني قاموا بإلقاء كلمات وجهوا فيها الثناء والتبجيل لهرانت بك، وبعد ذلك قدموا أكياساً من الطحين كهدايا ليتم توزيعها على الأرمن المحتاجين.

وبعد حصول سوريا على الاستقلال عام 1946، وبسبب وطنية هرانت بك وحبه لسوريا اكتسب احترام كافة فئات المجتمع دون استثناء، من رؤساء ووزراء وساسة ووجوه وطنية سورية، ولهذه الأسباب فقد تم تسليمه القيادة العامة لقوى الأمن الداخلي، وأصبح العميد هرانت بك مالويان.

وبدأت مرحلة الانقلابات في سورية، ففي عهد حسني الزعيم، اقترح الأخير تسليم هرانت بك القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة السورية، ولكنه وبحنكته المعهودة رفض الطلب بدبلوماسية، حيث كان يعرف تماماً أن أيام حسني الزعيم معدودة.

وعندما تتالت الانقلابات العسكرية في سوريا، وجد هرانت بك برؤيته الثاقبة أن أفضل عمل يقوم به في هذه المرحلة هو تقديم استقالته والابتعاد عن السياسة نهائياً.

وبالفعل، استقال العميد هرانت بك مالويان وابتعد عن السياسة، حاملاً معه عدداً كبيراً من الأوسمة التي استحقها بجدارة من الحكومات السورية واللبنانية والمصرية والفرنسية، حيث كان دائماً ملتزماً واعياً يعرف تماماً حقوقه وواجباته.

وافته المنية عام 1978، وأجريت المراسم الجنائزية بكنيسة الأرمن الكاثوليك بدمشق، وكونه مصدر فخر واعتزاز للأرمن، فقد حضر من حلب خصيصاً رئيس أساقفة طائفة الأرمن الأرثوذكس المطران سورين كاتارويان مع خمسة من الكهنة ليشاركوا بالقداس الجنائزي وبمراسم الدفن.

وكان بين الحضور لفيف من الضباط القدماء والسياسيين، وعدد غفير من الجماهير الذين حملوا نعش القائد الكبير على الأكتاف إلى مثواه الأخير.

_____
سيرة حياة مالويان هذه جاءت في كلمة التي ألقاها السيد جوزيف غازاريان باللغة الأرمنية أثناء تأبين العميد هرانت بك مالويان بُعيد نقل رفاته إلى المدفن الحديث العائد للأرمن الكاثوليك (ترجمة مهران غازاريان):



Top