فاهاكن ونافاسارت ونمروت.. بقلم: آرا سوفاليان

فاهاكن ونافاسارت ونمروت.. بقلم: آرا سوفاليان

الألوف المؤلفة من الأرمن تسير في كرنفال وثني ومسير طويل من كافة القرى والمدن الصغيرة في ارمينيا العظمى الى مراكز الولايات والمقاطعات والمدن الكبرى والعاصمة، هذا المسير العظيم هو مسير الفرح لأنه احتفال وثني سنوي بدأ العمل به منذ العام 2492 قبل ميلاد السيد المسيح.

في تلك الازمنة الجميلة التي لم يحظى فيها الارمن بشرف التعرف على اخطر اربعة امبراطوريات طورانية هي الاعنف والاشرس والاشد وحشية على مدار التايخ المعروف.

1 ــ السلاجقة وهم اتراك الأوغوز الذين دخلوا الاسلام في عهد سلجوق بن دقاق… وقائدهم هو طغرل زعيم قبائل الغز وخليفته الب ارسلان

2 ــ المغول وقائدهم هولاكو المهلك قاتل الملايين ابن تولوي خان اصغر ابناء جنكيز خان، وأم هولاكو هي سرغاغتاني بكي التي كانت تنتمي الى احدى قبائل الترك التي كانت تعتنق المذهب النصراني النسطوري في منغوليا وكذلك زوجته دوقوز خاتون المسيحية النصرانية ومن اصل تركي ايضاً، وللمذكور مآثر منها احراق بغداد ومكتباتها، وحرث دمشق بعظام ابنائها وقد مرّ من ارمينيا قبل الوصول اليهم.

3 ــ التتر وخرجوا من بلادهم تركستان بقيادة قائدهم تيمور لنك الأعرج الذي روع الشرق والغرب ومرّ أولاً في ارمينيا وقوض استقلالها وانهاها بحيث لم تعد تقم لها قائمة.

4 ــ العثمانيون وهم مسك الختام وقائدهم الاول عثمان بن ارطغل، احتلوا ارمينيا اكثر من ستمائة سنة وأذاقوا الارمن السم والدم، بدؤوا بالمجازر ضد الارمن منذ عهد عبد المجيد ثم قتلوا بمعية آخر سلاطينهم عبد الحميد الثاني 300 الف ارمني في الأعوام 1894 الى 1896 في زيتون وصاصون ثم ثلاثين الف ارمني في العام 1908 في أضنة، ثم جماعة الاتحاد والترقي، الانقلابي الهاوي طلعت باشا وزير الداخلية البائع في كشك الطوابع في استمبول و الانقلابي الهاوي انور باشا الغازي وزير الحربية الذي كان سيتم اسره في صاري قاميش من قبل الروس وقد انقذه بعض المجندين الارمن في الجيش التركي، والانقلابي الهاوي الغازي جمال باشا السفاح وزير البحرية الذي قاد جيش عرمرم من اهالي بلاد الشام ليحارب الانكليز في ترعة السويس فمات كل جيشه ليس بسبب الحرب بل بسبب الجوع والعطش فلقد نسي الغازي ” رتبة عسكرية هي اعلى من المشير ” أخذ المؤنة من الغذاء والماء فهلك الجنود في صحراء سيناء قبل ان يحاربوا.

هؤلاء الهواة قتلوا مليون ونصف ارمني وشردوا البقية في جنبات الارض الاربعة.

في تلك الازمنة الجميلة التي لم يحظى فيها الارمن بشرف التعرف على هؤلاء كلهم كانت الامة الارمنية تمرّ بأجمل اوقاتها…كان الشعب الارمني يحتفل بعيد النافاسارت وهو عيد رأس السنة الارمنية الوثنية.
الوف العربات التي تجرها الخيول والثيران محملة كلها بالاطعمة والفواكه والثمار والمجففات والشراب والخمر المعتّق المسحوب من اقبية الناس وكل ما لذّ وطاب تذهب كلها بإتجاه مراكز المدن الرئيسية وكان اجمل مسير هو مسير باكفان موش ” مدينة ارمنية عريقة هي تحت الاحتلال اليوم وتقع في ارمينيا الغربية ” وكان لقب موش هو كاغتسر موش أي موش الحلوة… وعلى الطريق عشرات ميادين سباق الخيل ومضمار الالعاب الرياضية كرمي الرمح والرمي بالقوس والنشاب ورمي الكلة والجري والقفز والمبارزة والمصارعة وسائر الالعاب الرياضية القديمة المألوفة…هذا عيد نافاسارت وهو من اقدم الاعياد الدينية الوثنية القومية لدى الشعب الارمني ويحتفل به في 11 آب وفقاً للتقويم الميلادي وما يقابله في التقويم الوثني الارمني الذي تم وقف العمل به والتحول الى التقويم الميلادي بعد ان تنصرت المملكة الارمنية في العام 301 ميلادية.

وفي 11 آب يوم نافاسارت يمكن بوضوح رؤية مجرّة الجبار والمعروف باوريون، في السماء من مرصد كاراهونغ التاريخي في ارمينيا حيث يجتمع العديد من المهتمين بعلم الفلك هناك لمشاهدة هذه الظاهرة
وترمز المجرة الى الاله هايك الجبار الذي يظهر في السماء وهو يحمل القوس النشاب وبحسب الرواية التاريخية فلقد ارتبط يوم 11 آب بانتصار هايك ناهابيت الجبار على ملك بابل بعل في العام 4500 قبل الميلاد حيث انفذ هايك سهمه في صدر بعل مخترقاً درعه وخارجاً من الطرف الآخر.

هذا النصر العظيم وحّد الشعب الارمني وأظهر المملكة الارمنية التي حكمتها لأول مرة اسرة هايكازوني
وقد تم تكريس عطلة نافاسارت من اجل تمجيد سبعة آلهة عند الارمن هم آرامازت اناهيد آزتغيك ناني فاهاكن مهير وتير .

وطبقاً للتقاليد الدينية الوثنية الارمنية، ففي هذا اليوم تنزل الآلهة لتستحم في نهر آرادزاني المقدس ثم تعود للسماء.

وتقام احتفالات كبيرة في كل انحاء ارمينيا الكبرى وحدودها من بحر قزوين الى البحر الأسود حيث كان عامة الشعب يرقصون وهم يرافقون مركب نوح الافتراضي المحمول على عربة تجرها الثيران وتواكبها في الخلف العربات المحملة بالاطعمة والفواكه والثمار اللذيذة لوضعها على موائد الآلهة كتقدمة وكانوا يمضون بالالوف الى اماكن الاحتفال لتقديم الشكر للآلهة فيذبحون ثور يستخدم دمه بوضع علامة على جباه المحتفلين وكانت الطاولات في هذا اليوم تنوء تحت ثقل الاطباق المليئة بالطعام والثمار والفاكهة والشراب وفي نهاية الاحتفال يتم اختيار المتفوقين في الالعاب الرياضية وكان يتم منح الفائز جوائز عديدة اهمها قبلة من الحسناء المنتخبة كملكة جمال العيد وكانت الحسناوات ترقصن من اجل هذا الحبيب او ذاك بأثوابهن المزركشة وحليّهن الماسية والذهبية وما كان من الفتيان الا الانخراط في هذه الرقصات وعلى هذا النحو تقضي طبقات الشعب سبعة ايام بلياليها ونهاراتها يغنّون ويرقصون وينظمون الأشعار المغنات لتمجيد القادة الاسطوريين العائدين للأمة الارمنية

الى اليوم ينظّم اتحاد الآريين الارمن العديد من الفعاليات برأس السنة الارمنية ايماناً منهم بضرورة الاستمرار بهذا الارث الانساني الحضاري الغني الذي كان سيتم القضاء عليه من قبل الاتراك لولا وجود الغيورين على مصالح الامة وتراثها الفكري والحضاري.

وبالطبع تمّ تحجيم الاحتفالات بالنافاسارت لأن ذلك يراعي الكنيسة الارمنية ومعتقدات الشعب الارمني وتطلعاته فتحوّل النافاسارت الى عيد قومي او ذكرى تاريخية.

في النهاية قد يسأل سائل لماذا ورد اسم فاهاكن في مطلع المقالة ولم يتم التحدث عنه على الرغم من ان المقالة شارفت على نهايتها ؟

الجواب : الخمر الجيدة يتركها الارمن أيضاً للنهاية لأنهم لا يعرفون الغش… فاهاكن هو واحد من الآلهة التي عبدها الشعب الارمني ولهذا الإله وقع جميل في قلبي ولن يتوقع أحد السبب !

كافة الآلهة الاخرى كانت مشتركة مع الرومان والفرس إلا فاهاكن فهو إله ارمني صرف أصيل لا يعرفه الفرس ولا الرومان … طيب وماذا في الأمر ! الجواب: حتى آلهة الارمن في العهد الوثني تلعن الاتراك وتكشف كذبهم…فعلى جبال نمرود البعيدة جداً عن آراراد والتي تقع الى غرب الاناضول تم وضع لوحات اعلانية من قبل الاتراك تفيد بأن آثار نمرود هي اغريقية في محاولة للإنتقام من الارمن عن طريق تجريدهم من الفضل حتى في آثارهم…ولكن ولحسن الحظ فلقد ردّ علماء الغرب بالنيابة عن الارمن الرد المناسب وهو ” الآثار التي عثر عليها في نمرود آثار أرمنية أصيلة 100% لأن أهل الغرب لم يعرفوا فاهاكن ولم يعبدوه…وهكذا فلقد وصلنا حقنا بالكامل وتم التأكد من صحة العبارة التي وردت في كل الكتب الاسلامية التي تقول ” في الشرق امبراطورية الفرس وعاصمتها المدائن وفي الغرب امبراطورية الروم وعاصمتها القسطنطينية وما بينهما أرمينستان او بلاد الارمن.

في النهاية كل الشكر للسيد رافي عبجيان الذي ساعد في اثراء المقالة بمعلوماته

آرا سوفاليان
كاتب انساني وباحث في الشأن الارمني
15/08/2017



Top