معمورة العزيز.. بقلم آرا سوفاليان

معمورة العزيز.. بقلم آرا سوفاليان

الدائرة الحمراء الكبيرة الى جهة اليسار في الصورة وكتب فيها سيواس أو sivas وهو الاسم الارمني للمدينة التي كان لها أسماء عديدة : سيواس الدربند باب الأبواب ومعمورة العزيز … يشاء القدر أن تبتلي هذه المدينة بالأهوال على الرغم من طيبة أهلها وناسها…البلاء الأول بحسب كتب التاريخ حدث في جائحة تيمور لنك عندما اجتاح تيمور سيواس ومعه من معه من الجراد فخرج أهل المدينة وكلهم من الارمن، للترحيب به سلماً وألبسوا أطفالهم رداء ابيض وفي اليد اليمنى لكل ولد أو بنت وردة حمراء ترحيباً بالفاتح العظيم، فقفز الفاتح العظيم على صهوة جواده وأزبد وأرعد وتبعه جلاوذته فداسوا الأطفال بسنابك الخيل وعقروا بطونهم وقتلوا العزّل بسيوفهم ونهبوا سيواس عن آخرها وأحرقوها بالكامل…كل البلاء جاء من الشرق، جحافل من الغزوات كلها جاءت من الشرق، وتباين شديد في الثقافات والاديان والعرق والاصل والعادات والفكر وكل شيء…كانت الريح تنبئ بقدومهم بما تحمله من رائحتهم القذرة…وكانت آلاتهم الموسيقية عظام لسواعد بشرية يطرقون بواسطتها على الجماجم…حثالة الشعوب وفي أزمان متعاقبة، اجتاحت ارض الحضارات والثقافات واحرقوا كل أرمينيا وهجّروا أهلها،وهرب بعض الارمن الى كيليكيا فأنشؤوا مملكة كيليكيا وعاصمتها سيس وحدودها تصل جنوباً الى الاسكندرونة وهذه ايضاً تم افناؤها.

وزحف الغزاة الى الجنوب الشرقي وأحرقوا بغداد وذهبوا الى الجنوب الغربي وأحرقوا دمشق وضربوا اسوارها بالمنجنيق ووضعوا افراد حاميتها وجندها على الخوازيق…ثم استباحوا الشام وحرثوا أرضها بعظام أبنائها…وانتهى امر الارمن في اناتوليا بعد أخذ وردّ وتجاذبات وإبادات …لأن يكونوا تحت الاحتلال العثماني وهؤلاء أولاد وأحفاد وبطون وأفخاذ وارحام اولئك.

في العام 1915 تم القضاء بشكل نهائي ومبرم على كل أرمن سيواس ولم يبق منهم أحد على قيد الحياة بمعية أبطال حزب الاتحاد والترقي اصحاب الشأن بعد تنحية السلطان عبد الحميد ظلّ الله على الارض.

بحثت عن الخارطة التي في الصورة وعثرت عليها، وقد رأيتها هي عينها في مرحلة الطفولة وضاعت منّي حيث تم استبدالها بواحدة جديدة…كنت طفلاً وفرحت بالدوائر الحمراء المنتشرة فيها دون ان أفهم ما تعنيه هذه الدوائر…ومرّت فترة فهمت بعدها أن هذه الدوائر الحمراء تمثّل الدم الأرمني المسفوح في كل مدينة على حدا وكان نصيب سيواس من اللون الأحمر كبيراً… الملفت ان هناك دائرة كبيرة في المخطط عثرت عليها في المتحف الملحق بكنيسة شهداء الأرمن في مدينة دير الزور السورية…تلك الكنيسة التي كلّفت الملايين …حيث تم انشاء متحف كبير تحت الارض يحوي عظام الارمن…وقد تم بجهود أعداء الانسانية والتحضر الذين سلكوا طريق من سلكوا الطريق الممتد من معمورة العزيز الى كيليكيا الى بغداد الى بلاد الشام تم تسوية هذه الكنيسة ومتحفها بالارض فصارت قاعاً صفصفاً ينعق فيه البوم.

هناك دائرة في الخريطة تقع في دير الزور، لأن دير الزور السورية كانت المحطة النهائية لوصول السوقيات وكانت مرقدة أكبر مسلخ بشري سالت فيه دماء الارمن انهاراً،ففهمت ما تمثله الدوائر الحمراء التي كنت أعتقد في مرحلة الطفولة انها تمثل جمالية طبوغرافية من نوع خاص.

هؤلاء الوحوش القتلة لم يتغيروا منذ ان عرفهم العالم المتحضر وحتى اليوم…جيناتهم الوراثية تحوي الموت والدمار والحرق والسبي والوحشية والترويع…اتحفوا شعوباً كثيرة كالارمن والسريان واليونان بمواهبهم الخارقة وها هم يتحفون سوريا بنفس المواهب اليوم ولكن مع الكثير من الافاضة والشطط، في هذه اللحظة تنتابني موجة من الخيال العلمي مع ان فرصة القضاء على الجدري أو شلل الأطفال أو الكوليرا كان من الخيال العلمي وقد تحقق، أما هذه الموجة فهي إن تحققت انجاز طبي عالمي هائل ومفيد للبشرية وبشكل أزلي أبدي دائم، وهو ببساطة تغيير سلالم الدي إن إي والجينات والشيفرات الوراثية الاجرامية لهؤلاء.

آرا سوفاليان
كاتب انساني وباحث في الشأن الأرمني
10/02/2015



Top