الأرمن في سوريا بعد العام 1915.. بقلم: آرا سوفاليان

الأرمن في سوريا بعد العام 1915.. بقلم: آرا سوفاليان

هناك خريطة ابادة يعرفها العالم كله تخصّ الشعب الارمني فيها دوائر حمر صغيرة وكبيرة واكبر متوضعة في كل هضبة الاناضول. نرى كثافة هذه الدوائر في شرق الأناضول وهو ما يعرف بإسم ارمينيا الغربية المحتلة، وفي غرب الاناضول الموقع التاريخي لكيليكيا او ارمينيا الصغرى حيث كانت مملكة كيليكيا التي ساهم الصليبيون في تأسيسها واستطاع الاتراك درسها عن آخرها.

كانت فكرة الابادة في العام 19155 لم تكتمل في ذهن الاتحاد والترقي (جمال باشا السفاح وطلعت باشا وأنور باشا) الذين بدؤوا بقتل النخبة من الاطباء والمهندسين والقضاة واعضاء مجلس المبعوثان، وباشروا بترحيل كل الارمن الى الصحراء في الجنوب في ظروف مأساوية أدت الى ابادة 1.5 مليون ارمني.

كانت السوقيات تخرج من ارض ارمينيا التاريخية في خطوط متنافرة او متلاقية باتجاه الجنوب فأهل كيليكيا ابعدوا الى حلب ولم يصل منهم إلا بعض النساء والأطفال واهل المناطق الوسطى ابعدوا الى رأس العين ثم مرقدة في دير الزور واهل الشرق ابعدوا الى جبال سنجار فاستقبلهم الايزيديين واشتروا ارواحهم…وسار الناجون في خط مستمر الى دير الزور حيث تم صلب النساء الارمنيات وأطفالهم ينتظرون نزولهم من الصلبان وهناك من اجبروا للذهاب الى البصرى في العراق.

خريطة ابادة يعرفها العالم كله تخصّ الشعب الارمني

خريطة ابادة يعرفها العالم كله تخصّ الشعب الارمني

في العام 1918 انتهت الحرب العالمية الاولى وانكسر الاتراك وحلفائوهم الألمان وانطلقت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين وابناؤه الأمير فيصل والأمير غازي وصدر من الديوان الهاشمي أمر بالتوقف عن قتل الارمن بل يجب معاونتهم وهذا أدى الى تفكيك الاسلاك الشائكة حول معسكرات الاعتقال في دير الزور واطلاق سراح الارمن وتطبيبهم والاعتناء بهم…وبالتالي: فلقد فهم العرب ان هؤلاء حلفاء وعدو عدوك صديقك خاصة وان الثورة العربية الكبرى قلبت المفاهيم فلم يعد الاتراك اولياء الله على الارض ولا سلطانهم آخر خلفاء المسلمين.

استعرضت القوات الفرنسية في ساحة تقسيم وتم احتلال العاصمة التركية استمبول وخسرت تركيا كل المعارك في البوسفور وفي بلاد الشام والحجاز وافريقيا وضاعت من يدها ليبيا والمغرب العربي بعد ان ضاعت مصر واحتلها الانكليز وفشل جمال باشا السفاح في تحريرها بعد معركة الترعة الكارثية عندما ذهب جمال لمحاربة الانكليز في مصر واخذ معه نصف مليون مقاتل من بلاد الشام مات معظمهم من الجوع والعطش لأن قائد الجيش لم يأخذ معه لا الماء ولا الغذاء.

وكذلك ضاعت كل المستعمرات التركية في اوروبا الشرقية وتم اخلاء استمبول من سكانها…

في سوريا كانت فرنسا قد بدأت بتكوين مستعمرة فاحتلت المنطقة الساحلية وجندت ما بقي من الارمن لمحاربة كمال اتاتورك فتم الوصول الى مرعش وغازي عنتاب وتم تحرير اضنة ولكن الفرنسيين انسحبوا دون ابلاغ الارمن وبقي الارمن لوحدهم في مواجهة عصابات اتاتورك فتم افناؤهم بالكامل اما الفرنسيين الذين انسحبوا ليلاً فلقد ربطوا قوائم الخيول باللباد حتى لا يسمع احد صوت الأحصنة المنسحبة ليلاً…واخذوا معهم المدفعية ولم يترك للأرمن إلا بعض الذخائر فكانت ابادة اضافية مرعبة وانسحب الفرنسيون الى الداخل وندموا على هذه الخيانة لأن التاريخ يسجل للأرمن حسن البلاء مع الفرنسيين في قتال الاتراك.

كان معظم شباب الارمن بدون عمل بسبب عدم توفر اي رأسمال مما اضطرهم للتطوع في الجيش الفرنسي والبقية عملوا في الصناعات الخفيفة كالصياغة وتصليح الساعات وصناعة الاحذية وتصليح السيارات.

بدأت الثورات في بلاد الشام ضد الفرنسيين وكانت فرنسا قد تم احتلالها من المانيا النازية فضعفت وتوقف ارسال السلاح الى سوريا وبدأت محادثات الاستقلال وتولاها فارس بك الخوري وكان رئيس الوزراء وقد تم تعيينه من قبل الفرنسيين ومع ذلك فلقد أخذ مصوره الشخصي وهو ارمني ودار على الاماكن التي ضربتها مدفعية الفرنسيين في الاضراب الطويل وكذلك في حريق المنطقة التي دعيت اليوم بالحريقة وتم نسخ الصور وذهب فارس بك الى واشنطن حيث عصبة الامم واشتكى على فرنسا دولة الانتداب واستعرض الصور فتقرر الغاء الانتداب وصوطت اميركا لصالح قرار الغاء الانتداب وتبعها من تبعها من الدول وصدر القرار.

تفاوض المندوب السامي الفرنسي الجنرال بول بينيه مع الحكومة السورية المؤقته وطلب بصراحة تجنيس كل الارمن السوريين الذين فضلوا البقاء في سوريا، اما الأرمن الذين اختاروا المغادرة مع الجيش الفرنسي الى فرنسا فلقد حصلوا على الجنسية الفرنسية.

هناك بعض الامور التي ساعدت قضية الارمن والموافقة على أن يحملوا الجنسية السورية

1 ـ الشخصية الكاريزمية لفارس بك الخوري رئيس الوزراء المسيحي المحبوب من الشعب

2 ـ اعتماد الارمن على انفسهم في العمل الشريف والتعرف على مزاياهم كشعب مسالم لا مطمع له في سوريا وإخلاصه لعمله وصدقه

3 ـ وجود ضباط أكفاء كانوا في الجيش الفرنسي وتطوعوا في الجيش الوطني وأدوا القسم

4 ـ موقف الضباط الارمن من قضية سلخ لواء اسكندرون فلقد أصرّ الأتراك على ضم كسب واجزاء كبيرة من شمال محافظة اللاذقية وكان المندوب السامي في سوريا لا يمانع في هذا الضم…فشكّل الضباط الارمن وفد لإقناع المندوب السامي الفرنسي في سوريا وقالوا له ان مدينة كسب فيها الكثير من الارمن اصحاب الاراضي منذ قبل الحرب وإن هذا الضم سيؤدي الى ابادتهم …ولم يقتنع المندوب السامي الفرنسي الجنرال بول بينيه بوجهة نظر الضباط الارمن فذهبوا الى لبنان واشتكوا الى رئيسه …وكانت المسألة ستؤدي الى تمرد فتم عدم قبول الطلب التركي وذهبت لجنة من الضباط الارمن لترسيم الحدود مع تركيا وانقذوا كسب وما حولها وكذلك شمال اللاذقية بالطبع…وفي زيارة الرئيس الارمني السابق ليفون بيدروسيان الى سوريا قدم كل الوثائق المتعلقة لسيادة الرئيس حافظ الأسد

5 ـ استطاع الضباط الارمن المساعدة في تأسيس الجيش الوطني السوري

6 ـ لم يشترك اي ضابط ارمني في اي انقلاب.

استوعبت الحكومة الوطنية كل مناقب الارمن بإعتبارهم شعب نشيط ومخلص لا يقبل المعونات ولا المساعدات ولا يخون فتم منحهم الجنسية السورية تباعاً من الاستقلال وتنفيذاً للإتفاق مع آخر حكومة حكمت سورية في عهد الانتداب.

آرا سوفاليان
كاتب انساني وباحث في الشأن الارمني
07/02/2017



Top