ليون زكي: إجراءات أردوغان القمعية سترتد وبالاً عليه

ليون زكي: إجراءات أردوغان القمعية سترتد وبالاً عليه

ناهزت أرقام حملة “التطهير” بالاعتقال أو الاستجواب أو العزل، والتي شنها فريق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وخلال أسبوع من تمثيلية الانقلاب، حوالي 60 ألف شخص في سلك العسكر والشرطة والقضاة والتدريس والموظفين الحكوميين، وبذلك يمكن الجزم أن قوائم الحملة كانت معدة سلفاً وخلال أشهر سابقة للتوقيت المشبوه للعملية.

ويرجح اتساع دائرة القمع والاعتقال الأردوغانية على مصراعيها بمصادقة البرلمان التركي على قرار حكومة “العدالة والتنمية” فرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية لمدة 3 أشهر قابلة للتمديد لأن المخطط المرسوم يستهدف التخلص من أي مناوئ محتمل لأردوغان ولأي مشتبه بارتباطه بجماعة فتح الله غولن أو ما يسمه النظام الأردوغاني “الكيان الموازي” وهدم البنية التحتية بشكل كامل له.

الحرب التي أعلنها أردوغان على الانقلاب المزعوم استهدفت بالمقام الأول تولي الاخوان المسلمين سدة الحكم منفردين بعد القضاء على تركيا الأردوغانية العثمانية وعقيدة جيشها، الأمر الذي يفرض على أردوغان المضي في سياسة تعزيز قبضته على جميع نواحي الحياة ما يؤدي لعدم استقرار تركيا لفترة قادمة مقبلة تجعلها منكفئة عن الملفات الإقليمية التي تدخلت بشؤون بلدانها الداخلية وفي مقدمتها الأزمة السورية التي يتوقع أن تشهد انفراجاً نوعياً مرتقباً فيما لو استكمل نظام حكم أردوغان استدارته نحو دمشق أو نأى بنفسه عنها، وإن كان من المبكر الحكم على ذلك راهناً.

من المؤكد أن أردوغان سيسارع إلى قطف ثمار محاولة الانقلاب التي أدى دوره المسرحي فيها بشكل متقن، وذلك بطرح تعديل الدستور لتحويل نظام الحكم البرلماني إلى رئاسي يستأثر فيه بالسلطتين التنفيذية والتشريعية وقمع المعارضة والقضاء ووسائل الإعلام لكن مفاعيل وتداعيات سياسته القمعية ستنكشف للناخب التركي الذي لن تنطلي عليه الخدع والألاعيب في الوقت الذي سيكتوي فيه بتدهور الوضع الاقتصادي بعد القفزة التي تحققت خلال 14 عاماً من حكم “العدالة والتنمية” بين فعل الإجراءات القمعية التطهيرية وردود الفعل الشعبية عليها، وهو ما بدا يظهر من تقهقر سعر الليرة التركية إلى أدنى مستوى لها منذ أيلول 2015 باتساع حملة التطهير.

إن الحكم على حقيقة الانقلاب إن كان حقيقياً أو عبارة عن عمل درامي يعرف من أهدافه ونتائجه، فمصلحة من تكمن في ملاحقة 9322 قاضياً وعسكرياً وشرطياً ووضع عدد مماثل منهم ومن العساكر والقضاة قيد الملاحقة القضائية وتوقيف 8877 من منتسبي وزارة الداخلية وخفر السواحل وتعليق عمل أكثر من 15200 موظفاً من وزارة التربية وفتح تحقيق بشأنهم بالإضافة إلى إقالة 1577 من رؤساء وعمداء الجامعات الحكومية والخاصة من مجلس التعليم العالي ومنع سفر الأكاديميين للخارج وتعليق عمل البعثات الدراسية خارج تركيا حتى إشعار آخر وإلغاء تراخيص 21 ألف معلّم في المؤسسات الخاصة وإبطال جميع حقوق البث والتراخيص لـ 24 شركة إعلامية ووضع يد سلطات أردوغان على وسائل إعلام وسحب البطاقات الصحفية من إعلاميين لمجرد الاشتباه بعلاقتهم برجل الدين غولن!.

تزامن ذلك مع استصدار القضاء لأوامر بسجن 85 جنرالاً وأميرالاً واعتقال 30 من حكام الولايات التركية وإعفاء 26 قاضياً من مجلس القضاء الأعلى بعد إيقاف 262 وفصل 2735 قاضياً ومدعياً عاماً وعسكرياً من المستويات المختلفة بشكل مؤقت وطرد 1500 من موظفي وزارة المال و300 من وزارة الطاقة وعزل 492 موظف من رئاسة الشؤون الدينية وإبعاد 257 من موظفي وظائف رئاسة الوزراء عدا عن إيقاف 9000 شخص ومقتل 265 آخرين والتسريح التعسفي لعشرات الموظفين من هيئة التنظيم والرقابة للعمل المصرفي والاستخبارات التركية وجميع الوزارات ومؤسسات الدولة.

تظهر الأرقام، وجميعها خلاصة أسبوع واحد فقط من الانقلاب، مدى فداحة الظلم الذي لحق بالمجتمع التركي وقيادات مؤسسته العسكرية وبنخبته وبالموظفين على وجه الخصوص، الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة من المجتمع الدولي طالبت أردوغان وسلطاته بضبط النفس من دون أن تلقى دعواتهم آذان صاغية.

ويتوقع أن يأتي الدور، بعد المؤسسات العسكرية والقضائية والتعليمية والإعلامية، على البرلمان التركي الذي رفعت الحصانة عن 138 نائباً فيه تمهيدا لمحاكمتهم بتهم الإرهاب ثم تصفية أو الإطاحة بأي مسؤول وحتى موظف حكومي يشك بولائه المطلق لأردوغان وحكومته وحزبه.

يحدث كل ذلك في توقيت حساس للغاية يتطلب وفاء أردوغان والحكومة التركية لمتطلبات واستحقاقات مكافحة الإرهاب داخلياً وخارجياً، وهو ما لا يدركه أردوغان حالياً، إذ ينشغل وسينشغل وقتاً طويلاً في إعادة ترتيب بيته الداخلي وفق ذائقته الخاصة ومقاس “سلطنته” العثمانية الموعودة، ما يفسح في المجال كي يدق الإرهاب مجدداً أبوابه المدن التركية وإقامة الدولة الكردية، التي هي أهم خط أحمر شمال وشمال شرق سورية، عند الحدود الجنوبية لتركيا… وعندها لن ينفع الندم ولن يصفح له طمعه بتصفية الجيش وحكم البلاد منفردا.

بقلم: ليون زكي



Top